Saturday, January 24, 2015

فريد سميكة



نشر هذا المقال بموقع جريده المصري اليوم.للأضطلاع علي الأصل برجاء الضغط هنا
قالت العرب قديمًا: لكل نصيب من اسمه، وفريد سميكة لم يكن استثناءً، فالطفل المولود بالإسكندرية في أوائل القرن العشرين (1902) كان فريدًا بحق، كما نال نصيبًا من لقب العائلة «سميكة» القريب في نطقه إلى «سمكة» كأحد أهم متسابقي الرياضات المائية في تاريخ أفريقيا والشرق الأوسط. لكنة فوق كل ذلك، لم يكن مجرد بطل رياضي عالمي آخر، فالرجل عاش حياة صاخبة ومليئة بالأحداث المتناقضة التي تواترت عنة الأخبار والشائعات لتجعلها أقرب إلى فيلم هوليوودي.

ولد فريد لعائلة قبطية عريقة، يستقر إلى اليوم تمثال من نظن أنه عمه، مرقص باشا سميكة (عضو مجلس الشورى ومدير مصلحة السكة الحديد)، في المتحف القبطي تقديرًا لجهوده في إنشاء المتحف وإثرائه بالعديد من القطع الأثرية من مقتنياته الشخصية.

في الإسكندرية عاش فريد طفولة مخملية، ألحقه فيها أبوه مدير الجمارك، باسيلي بيك سميكة، بمدارس النخبة فأتقن الفرنسية والإنجليزية.

تعلم فريد السباحة في المدينة الساحلية ثم استهوته رياضة الغطس. بعد انتقال العائلة إلى القاهرة أدمن الشاب موفور الصحة والمال نشوة الأدرينالين مدعوما بثروة و«عزوة» عائلته، فتفرغ للتدرب على رياضته المفضلة بالإضافة إلى حصوله على رخصة طيران شراعي.

بدخوله عامة السادس عشر كان الفتى شخصية عامة بفضل استعراضات القفز في الماء التي كان ينظمها على شاطئ «بير مسعود» بالإسكندرية وفي نادي الجزيرة بالزمالك والتي كانت تجذب جمهورًا غفيرًا وجعلت المعجبات يتهافتن عليه.

لكن الأدرينالين كانت له جوانب سلبية أيضًا. يحدثتا الكاتب الراحل هاني درويش في كتابه «إني أتقادم» على لسان أحد قدامى سكان منطقة المطرية (والعهدة هنا على الراوي) عن قصرالسميكة (بُني نادي المطرية على أنقاضه)، وعن والدة فريد الأرمينية، حسب الشاهد، والتي أقسم ولدها أن يقتل أي متعدٍّ على حديقة السراي بعدما تكررت حوادث السرقة من قبل بعض سكان المنطقة. في ليلة شتوية باردة، صوب الشاب بندقيته إلى الظل الذي يحاول القفز فوق السور وأرداه قتيلًا بإصابة مباشرة. وبعد مفاوضات شاقة بين عائلة القتيل و«المدام»، تم الاتفاق على التنازل عن قضية القتل العمد مقابل التنازل عن قطعة من أرض الحديقة للعائلة.

مدفوعًا برغبته في التدرب تحت إشراف المدرب الأمريكي العالمي جيم ريان، وربما أيضًا بسبب تلك الحادثة (في حالة وقوعها من الأساس)، انتقل فريد إلى الولايات المتحدة. استمر هناك في التألق الرياضي وحصل على المركز الثاني في مسابقة أمريكا للقفز من السلم المتحرك عام 1927. وفي العام التالي مثل مصر في أوليمبياد أمستردام ليسجل اسمه إلى جوار إبراهيم مصطفى وسيد نصير كأول من رفع علمًا عربيًا وأفريقيا في المحفل الأوليمبي بفضية وبرونزية في مسابقتي السلم الثابت والمتحرك.

القصة لم تخل من الدراما الحريفة، فبعد إعلان الحكام حصوله على المركز الأول، وأثناء مراسم تسلم الميدالية، أوقف النشيد الملكي المصري بناءً على اعتراض من منافسه الأمريكي بيت دي جاردان. وبعد «مراجعة» الحكام للنتائج، قررت اللجنة سحب الميدالية الذهبية من اللاعب المصري ليكتفي بالفضية!
على كل حال لم تكن حياة فريد في الولايات المتحدة مجرد تمارين رياضية مستمرة، فبالإضافة لفوزه ببطولة أمريكا عدة مرات، فقد انخرط الرجل في أوساط السينما والمشاهير. فشارك في فيلم المغامرات الشهير Seas Beneath كأول مصري وعربي يقف أمام الكاميرا في هوليوود، وتروي بعض المصادر اعتماد مخرجي هوليوود عليه للقيام بدور بديل المشاهد الخطرة (دوبلير) في العديد من الأفلام أشهرها «طرزان». تخلل ذلك زواجه الأول عام 1929 من مابيل فان إيكي، ابنة تاجر المجوهرات الهوليوودي الشهير. وهو زواج لم يدم سوى سنتين تحصل خلالهما على لقب بطولة العالم وبطولتي أمريكا واليابان التي أصبح معبود جماهيرها.


بعد اعتذار الرياضيين المصريين عن الاشتراك في أوليمبياد 1932 احتجاجًا على تمثيل اليوناني المصري أنجلو بولاناكي للمملكة في اللجنة الأوليمبية، اعتزل فريد غاضبًا واكتفى برصيده من البطولات ليتفرغ للعروض الاستعراضية. في سنة 1934 قام برحلة حول العالم مع زميله هارولد سميث أبهرا فيها كل من شاهد عروضهما في الغطس المزدوج، ثم لاحقًا قاما برحلة مماثلة عبر الولايات المتحدة أقاما خلالها عروضًا كرنفالية لتحفيز الشباب على ممارسة تلك الرياضة. كانت تلك النقطة الفاصلة في تحول فريد إلى شخصية عامة في أمريكا الشمالية وأيقونة للجيل الجديد من الغطاسين في العالم كله، حتي أن سامي لي، أول رجل غير أبيض يفوز بميدالية أوليمبية في رياضة مائية، اعترف في مقابلة لمجلة «السباحة العالمية» ذائعة الصيت أن فريد كان بطل طفولته وأنه تنبأ له بأنه سيكون بطلًا أوليمبيًا.

في العام 1935، وبالتوازي مع التحاقه بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس كطالب ومدرب لفريقها، تزوج فريد للمرة الثانية من الآنسة بيتي ويلسون، وقد كان الزواج موعدًا جديدًا مع الدراما. رفضت حكومة الولاية تسجيل عقد الزواج لأن قانونها كان يمنع زواج القوقازيين بغيرهم من الأعراق. لذا كان على «سميكة» خوض نزاع قانوني استمر شهورًا قبل أن تقر المحكمة بأن: «المصري يتمتع بأصول قوقازية كون المصريين هم أحفاد الفرعين السامي والحامي من العرق القوقازي»!

عاد فريد، ربما للمرة الأخيرة، إلى بلده الأم في السنة التالية ليدرب الفريق المصري في أوليمبياد برلين 1936. عقب ذلك احتفل بميلاد ابنه الأول ثم شارك بقفزاته في زوج من الأفلام الوثائقية الشهيرة من إنتاج «مترو جولدن مايرز» عن رياضة الغطس («الغطس المزدوج 1939» و«الرياضات المائية» 1941).
الحرب العالمية الثانية كانت بداية الفصل الأخير من الحكاية الأسطورية. ربما بحثا عن مغامرة جديدة تعيد تدفق الأدرينالين إلى جسده، وربما إيمانًا بقضية، التحق «سميكة» بالجيش الأمريكي في صيف 1942. بعد شهور من التدريب المتواصل، وبسبب معرفته السابقة بالطيران، حصل على رتبة ملازم ثان بسلاح الجو الأمريكي. لا تتوافر معلومات رسمية حول المهام الموكلة إلى رجلنا، لكن مذكرات قدامى المحاربين تشير إلى دوره كمصور جوي لمواقع اليابانيين.

في وقت غير معلوم من نهاية عام 1943 سقطت طائرة مقاتلة من طراز «B -42» كانت تقل فريد. تؤكد التقارير وقوع الحادثة في آسيا لكنها تتضارب حول تحديد الموقع الدقيق بين «غينيا الجديدة» وإندونيسيا. واعتبرته الولايات المتحدة «مفقودًا أثناء العمليات». أصبح فريد أسير حرب بيد اليابانيين الذين كان يتمتع بشعبية طاغية في بلادهم قبل الحرب. يروي الغطاس التاريخي سامي لي في الحوار المذكور سابقًا أنه التقى مصادفة في أحد المستشفيات بقائد السرب الجوي الذي يضم طائرة فريد. وأنه أخبره أن سباحًا أوليمبيًا أمريكيا آخر وقع في يد اليابانيين أثناء الحرب واقتيد إلى نفس معسكر الاعتقال الذي قضي فيه فريد فترة من الزمن. وأنه عند دخوله إلى المعسكر شاهد مجموعة من الرؤوس المقطوعة علقها اليابانيون على أسوار المعسكر لإثارة ذعر الأمريكيين تعرف منها على رأس صديقه السابق!.

لاحقًا استطاع «لي» الوصول إلى عائلة الفقيد وأخبرهم بالقصة. بدورهم أخبروه أن الحكومة الأمريكية اعتبرتة شهيدًا في العام 1945 وكرّمته بوسام عسكري. أخبره ابنه الذي أصبح بدوره طيارًا مقاتلًا أنهم ظنوا أنه قتل في مكان ما من شمال أفريقيا على أيدي الألمان أو الإيطاليين بعدما أجبروه على العمل كمترجم.

لا نعرف الكثير عن الشهور الأخيرة في حياة فريد، كيف كانت حياته في المحبس، هل تم قطع رأسه لأنه حاول المقاومة أم رغبة سادية لحراسه. في الوقت ذاته لا يعرف أغلب المصريين شيئًا عن الرجل الذي تأثرت به مدرسة الغطس الآسيوية الشهيرة حتى اليوم. يظن أغلب سكان شرق القاهرة أن «الشهيد» فريد سميكة الذي أطلق اسمه على أحد الشوارع الرئيسية هناك هو أحد شهداء حرب فلسطين! وربما يكون هذا المقال فرصة لتسليط الضوء على أول مصري وعربي تقلد لقبًا أوليمبيًا، وأول مصري وعربي دخل إلى هوليوود. لكن الأكيد أن قصة فريد سميكة مجرد مثال على كسل صناع الدراما التاريخية المصرية واستنساخهم الباهت للدراما التركية بدسائس نساء أسرة محمد على أو على إصرارهم على «نحت» مناطق بعينها في التاريخ المصري تم عصرها حتى صارت كيتشًا ثقيل الظل في بلد ربما أصبح لا يملك سوى سلة مليئة بالحكايات المدهشة.

Sunday, December 14, 2014

عندما حاربت الخيول بجوار الدبابات 2



نشر هذا المقال بموقع قل.برحاء متابعة القراءة هنا

أمتازت السنوات الاولي من  القرن ال20 بحوادث الأغتيال الفاشلة و المضحكة ، مصر لم تكن أستثناء .فأثناء زيارة الخديوي عباس حلمي لفرنسا تعرض لمحاولة نجا منها بسبب كيس نقوده المعدنية، أستغل الأنجليز فرصة غيابه وعزلوه خوفا من ولاءه  للخلافة العثمانية التي كانت لا تزال تحظي بسلطة أسمية علي البلاد و عينوا عمة حسين كامل الموالي لهم كسلطان ، الحاكم الجديد  بدوره تعرض لمحاولة لا تقل كوميدية عندما تظاهر شخص باعطائه باقة ورود وأخرج منها مسدس فشل في أستخدامه!!!

السؤال المنطقي الذي سيدور بخلد القاريء هو:كيف دبر نفس الشعب محاولتي أغتيال لحاكمين علي طرفي المقص السياسي؟

علينا الا ننسي أن مصر وقتها كانت في مرحلة أنتقالية من تاريخها، صحيح ان الكتير من المصريين كانوا شاعرين بالإهانة   من الإحتلال الانجليزي لكن العديد من التيارات سياسية كانت تطمح لديموقراطية علي النمط الأوروبي، في المقابل كانت الأغلبية لا تعتبر العثمانيين محتلين  لأنهم  في نهاية المطاف  رأس الخلافة الجامعه للمسلمين، كانت تلك بداية  تبلور فكرة "مصر" كوطن مستقل بذاته، و للمرة الأولي يدخل الشيوعيين و الليبراليين و القوميين المصريين في حوار مجتمعي واسع  يهتم بة العامة،الصراع كان له وجه اجتماعي أيضا، مثلا صدرت مجلة  "السفور" التي دعت للمساواة بين الجنسين و طالبت بحصول المرأة علي حقها في المشاركة السياسية و التي واجهها  الشيخ رشيد رضا بحملة ضارية في مجلة "المنار" ضد الحكومة التي تلقي بتراثها لصالح التغريب، في كل الأحوال اتفق أغلب الاطراف المتنازعة علي أخذ موقف سلبي من الأحتلال، لكن العوز المادي أجبر ربع مليون مصري علي العمل المدني مع  الجيش الانجليزي!!

في  تركيا كان السلطان  العثماني ألعوبة في يد أنور باشا وزير الحربية صاحب العلاقات القوية بألمانيا، ولذا أعلنت تركيا الجهاد المقدس لمناصرة "الحاج" فيلهم الثاني ضد الكفار الروس و الانجليز، علي الفور  فتحت جبهتين، الاولي في القوقاز ووسط اسيا تورط فيها الروس و الأرمن والفرس و الأذربجانيين و حتي الأكراد وكان أحد نتائجها هولوكوست  طال عالأقل  مليون أرميني اعزل،والثانية في الشرق الأوسط، في فبراير 1915 تحركت قوات الدولة السنية من فلسطين الي قناة السويس  حيث دارت معارك  طاحنة انتصر فيها الانجليز لتتحول سيناء وغزة لمدة 3 سنوات لساحة حرب بين الطرفين، المعارك في مصر كانت مجرد مشهد ثانوي في لوحة الحرب التي روج لها انها ستنهي كل الحروب، لكنها في الحقيقة كانت الحرب التي جسدت غباء و رعونة  كل القادة العسكريين و السياسيين الذين تنافسوا في اتخاذ القرارات الكارثية!!!

منذ 100 عام  ,و تحديدا في صيف 1914, تطورت الأمور بعبثية شديدة لتنشأ الحرب العالمية الأولي الي شرحنا ظروف قيامها في المقال الماضي، بعد غزو النمساويين لصربيا  قررت روسيا و فرنسا وضع 6 مليون جندي علي حدودهما المشتركة مع المانيا، بادرالألمان يغزو بلجيكا المحايدة لتطويق فرنسا حتي يتفرغوا لروسيا، استغرق الأمر منهم شهرين ليصلوا الي حدود باريس و أرتكبوا في طريقهم  جرائم ضد المدنيين  لا تقل عن جرائم اعدائهم  الانجليز و الفرنسيين  في المستعمرات ! أستغلت روسيا الفرصة و توغلت داخل المانيا الي أن أضطرت بدورها الي إرسال جزء من قواتها للجبهة الشرقية، هنا استغل الأنجليز الفرصة و أرسلوا  قواتهم عبر بحرالمانش، و في سبتمبر  دارت أحد أولي المعارك التي  أستخدمت  فيها الطائرات في التاريخ والتي انتهت بانسحاب الألمان  لعمق الأراضي الفرنسية، بعدها حفر الجميع  الاف الخنادق و زرعوا المناطق  الفاصلة بالألغام و بدأت حرب بطيئة و كئيبة و دموية.

الانجليز قوم عمليين، بسبب قلقهم  من المانيا التي  ستبتلع مستعمراتهم اذا قويت شوكتها, و بسبب طمعهم  في مستعمراتهاالأستراتيجية, أتفقوا مع أمبراطور اليابان علي غزو ميناء شانتونج الصيني حيث يتركز الأسطول الألماني، بالفعل تم الغزو وأستولت اليابان علي حقوق تجارة المانيا في الصين و تقاسمت مع استراليا التابعة للتاج البريطاني بقيه المستعمرات في المحيط، حدث ذلك رغم اعتراضات أمريكية علي العملية التي  عززت وضع اليابان في المحيط الهادي، بعد الغزو أنتشرت  الباخرات و الغواصات الالمانية في بحار العالم لتصطاد سفن الحلفاء، كان علي الأنجليز صد "الاشباح"، حرب تستحق ان يفرد لتفاصيلها العديد من أفلام المغامرات.ً.بعد 24 عاما,و من نفس القاعدة,هاجمت اليابان القاعدة البحرية "بيرل" و جرت الولايات المتحدة الي الحرب العالمية الثانية.

في غضون 4 أشهر كانت النار قد أنتشرت في العالم كلة، في سبتمبر,هاجم الانجليز المستعمرات الألمانية في افريقيا، انسحب الالمان تكتيكيا ثم بدأ 50 الف جندي تابع للجيش الألماني حرب عصابات علي مساحة 10 دول بين ضد ملايين من قوات الكومونويلث.دخل الحرب كل من الهنود والأفارقة، جند الهندوس حوالي مليون جندي آملين ان تحفظ  المملكة الجميل و تعطي الهند حكما ذاتيا بعد الانتصار، بالطبع لم يحدث ذلك,ليبرز غاندي ويقود حركة التحرر الهندية، اما الافارقة فتم  تجنيدهم في الجيشين اجباريا ليعملوا في ظروف غير انسانية، المستعمرات الفرنسية والانجليزية لم تكتف بذلك,بل شحنت حوالي مليون جندي افريقي الي  الجبهة الاوروبية مما ولد  الكثير من الغضب و المرارة في حلق ملايين أضطرت الي قتل  اخواتها في حرب لا يفهمون لماذا هم مجبرين علي خوضها، النتيجة النهائية كانت موت 20% من الأفارقة الذي شاركوا في الحرب.

تشتهر منطقتنا تاريخيا بالدسائس و المؤامرات، والحرب كانت فرصة لأشباع تلك الهواية، تبادل الانجليز والعثمانيين تأجيج الثورات في مناطق حكم الطرف الأخر، العثمانيين ساندوا الليبيين و سلطان دارفور، و في المقابل  سطع  نجم "لورانس بلاد العرب" الأستخباري البريطاني  الشهير في مساندة الثورة العربية الكبري الهادفة الي تأسيس خلافة أسلامية عربية علي أنقاض الأحتلال التركي بقيادة الشريف الحسين بن علي حاكم الحجاز، الثورة المسلحة في الشام والأردن و العراق و الجزيرة العربية انتهت بأستسلام  دمشق والعقبة، لكن الأنجليز كانوا وقعوا  سرا بالفعل أتفاقية  "سايكس بيكو" مع الفرنسيين و التي تقسم المنطقة  بينهم  مع منح  فلسطيين كوطن قومي لليهود(وعد بلفور)، و هكذا انتهي حلم الشريف في الخلافة  بطردة من الحجاز علي ايد السعود و تنصيبة ملكا علي الأردن.الطريف ان منظري الناصرية لعنوا ساكس بيكو في زمنهم  ثم جذبهم الحنين اليها اليوم عندما بدأ  الأسلام السياسي و الراديكالي في توحيد  كل الأراضي التي قسمها الأوروبيين! 

في سنة 1916 سيطر الليبيين علي السلوم وحاصروا مرسي مطروح بمساعدة الغواصات الألمانية، مما أدي الي إعلان أنجلترا الأحكام العرفية، السبب الثاني للأعلان هو العمل السري المسلح ضد السلطان ووزراءه والمواليين لها، توفي السلطان المسن في السنة التالية ورفض ابنه كمال الدين حسين العرش ليتولي  الملك فؤاد الحكم في ظروف ضاغطة، حفيد الخديوي أسماعيل لم يكن يتقن العربية، فهو من مواليد ايطاليا التي خدم في جيشها ، معدلات الانفلات الأمني كانت قد  وصلت لأرقام كارثية  بالتوازي مع أنتشار البغاء في الأزبكية المليئة بالجنود الأنجليز المشتاقين لللهو، غير انتشار الكوليرا و التيفود بسبب فئران سفن الحرب و اللاجئين الي ملئت المواني.

لكن صدق او لا تصدق, الوضع كان مازال جيدا مقارنة بأوروبا!!!.فهناك ,و بعد بداية ساخنة وهجومية ,شهدت السنة التالية أستمرار حرب الخنادق التي لم تغير اي شيء ميدانيا ثم  كابوس السلاح الكيميائي الذي أستخدم للمرة الأولي في التاريخ، في السنة الثالثة قررت أمريكا  دخول الحرب بعد ما وعد الألمان جيرانهم  المكسيكيين بمساعدتهم  في نزاعهم الحدودي ضد جارهم الشمالي، بحلول 1917 كانت المجاعة والكساد علي الأبواب فتكررت حالات التمرد العسكري و العصيان المدني في فرنسا و المانيا و روسيا، الأخيرة تطورت فيها الامور الي ثورة ، وعندما سيطر الشيوعيين بقيادة لينين علي الامور قرروا الخروج من الحرب لتفرح المانيا.

لكن فرحة الألمان لم  تدم طويلا،فمنذ وصول القوات الأمريكية لاوروبا بدأت ميزان القوة يميل للحلفاء.بعد هجوم ال100 يوم استقلت كرواتيا عن الامبراطورية النمساوية المجرية، أوصلت الهزائم المتتالية العسكريين الالمان للتمرد علي القيصر ثم أدت الحالة الأقتصادية الي ثورة بعد شهرين من عقد الهدنة الي اضطرت المانيا ان تقبلها  في اواخر صيف 1918.

بتنازل القصير فيلهيم الثاني عن عرشه انتهت الأمبراطورية الألمانية مثل مثيلتها المجرية النمساوية الي خسرت اغلب اراضيها، و هنا أصبحت الدولة العثمانية وحيدة، بالتالي تشجع خصمها التاريخي اليونان وغزتها لتنشأ حرب أدت الي لمعان ظابط يدعي مصطفي كمال كان معروفا بسمعتة  الطيبة بسبب شجاعته في قتال الحلفاء قبل 3 سنوات، الحرب أعطتة لقب جديد:"اتاتورك" او ابو الاتراك و منصب أول رئيس لتركيا الحديثة بعد الغاء الخلافة العثمانية  ليغيرالأبجدية و يدفع بتركيا نحو العلمانية، في مصر كان الحنق علي مراوغات الأنجليز في تنفيذ وعد الإستقلال قد بلغ مداة، الإحتجاجات تطورت الي ما يعرف بثورة 1919 الي أسست للعقد الذهبي لليبرالية المصرية.

الأن و بمنظور عين الطائر نستطيع فهم كيف غيرت "الحرب الكبري"  مجري التاريخ، سايكس بيكو مثلا رسمت كل حدود الشرق الاوسط و هيأت المجال لنشوء اسرائيل، أسقطت 3 أمبراطوريات ورسمت بذور اوروبا الحديثة، انشأت حركات وطنية ضد الاستعمار في أسيا و أفريقيا، خلقت تحول دراماتيكي في تاريخ تركيا، لكنها ايضا خلقت ظروف مواتية لتكوين اثنتين من ابرز نجوم الموسيقي في التاريخ المعاصر للمنطقة، التركية اليونانية اليهودية روزا اشكينازي و الشيخ العلماني المصري سيد درويش، و لهذا الحديث مقال أخر.


Tuesday, December 2, 2014

عندما حاربت الخيول بجوار الدبابات (1)




نشر هذا المقال بموقع قل.برحاء متابعة القراءة هنا

في أحد المباني القديمة بوسط العاصمة التشيكية براغ يستقر ملصق إعلاني لبنك شهير الملصق عبارة عن مجموعة من السلافيين ويظهر أبو الهول خلفهم ، النص يحكي حكاية تتعلق بمرور تلك القوات بمصر خلال الحرب العالمية الأولى التي يحتفل العالم هذه الأيام بالذكرى المئوية لبدء أحداثها التي غيرت تاريخ الإنسانية والمنطقة، وحتى حياتنا اليومية التي نعيشها الآن، وبرغم أنها موضع تغطية شبه يومية في كل الميديا عالمية، فإنها هنا لا تحوز على أي اهتمام وسط هذيان السياسة الداخلية اليومي. 

حتى نفهم ماذا حدث في "الحرب الكبرى" وما أنتجته، لابد أن نفهم أولًا  شكل العالم سنة 1914. مبدئيًا عليك نسيان كل ما تعرفة عن خريطة العالم اليوم. تقريبًا نصف الدول التي تأهلت لآخر 4 كئوس عالم لم تكن موجودة وقتها. ودول بحجم ألمانيا وأيطاليا كانت حديثة التكوين ويطلق البعض عليها مصطلح "دول مصطنعة". القوى الكبرى كلها، باستثناء فرنسا والولايات المتحدة، كان يحكمها قيصر أو سلطان أو إمبراطور أو على أقل تقدير، ملك. 

المنطقة الأكثر اشتعالا في العالم كانت البلقان، التي كانت بجوار 3 إمبراطوريات كبري: من شمال الشرق (أعلى الخريطة) روسيا، حامية المسيحية الأرثوذوكسية بقيادة قياصرة الرومانوف، وفي جنوب الشرق (أسفلها) رجل أوروبا المريض: السلطنة العثمانية، ومن الغرب (اليسار) الإمبراطورية المجرية النمساوية، القوى الثلاث تبادلت احتلال المنطقة في عمليات تباديل وتوافيق استمرت 500 عام تقريبًا، خلال تلك السنوات نشأت تجمعات لأقليات عرقية ودينية في كل البلدان، على سبيل المثال تكونت جالية يونانية في تركيا، وتركية في رومانيا، وصربية في البوسنة، وبوسنية في كرواتيا، وهكذا.. 

في الوقت نفسه كان الكثير من القوميين الصرب يحلموا بـ"يوغوسلافيا الكبرى" على مساحة تمتد من كرواتيا إلى مقدونيا، وفي سبيل هذا قررت منظمة سرية تؤمن بهذه الأفكار تدعى "اليد السوداء" اغتيال ولي عهد الإمبراطورية المجرية النمساوية أثناء زيارته للبوسنة الخاضعة لسيطرته، ولي العهد كان في طريقه ليصبح الإمبراطور بعد مرض وكبر سن الإمبراطور الحاكم وقتها. والله وحدة يعلم ماذا سيكون الحال لو كان الأرشيدوق "فرانس فيردناند" قد نجا وحاز على اللقب، فكل الدلالات تقول إنه كان إصلاحيًا ويخطط لتقليص صلاحيات منصبه ويحلم بأوروبا على الطراز الأمريكي!!

هذا العصر كان عصر الاغتيالات الفاشلة والمضحكة بحق (كما سنعرف في المقال المقبل عندما يأتي على ذكر محاولات اغتيال سلطان مصر حسين كامل)، حادث اغتيال الأرشيدوق في البوسنة لم تكن استثناءً! فالمحاولة الحقيقية فشلت وقُبِض على أحد المنفذين، أما الأمير فأمر السائق بالتحرك إلى المستشفي لزيارة جنوده المصابين من جراء العملية، لكن السائق الذي لم يكن يعرف المدينة جيدًا سار في شارع خطأ، وفجأة وجد المنفذ الثاني نفسه على مسافة 5 أمتار من الأرشيدوق الذي أصبح الآن بعيدا عن حراسة، وفعلًا، بضغطتي زناد، كان الرجل وزوجتة مقتولين!

ألقي القبض على المنفذ واعترف بتفاصيل المؤامرة فورًا، عقب الاغتيال أرسلت الإمبراطورية المجرية النمساوية لملك صربيا التي كانت تتمتع بما يشبه الحكم الذاتي، رسالة شديدة اللهجة ومليئة بالطلبات، وافق الملك على كل ما فيها حقنا للدماء، باستثناء دخول محققين أجانب لمملكته، تزامن مع هذا بدء حملات اعتقالات عشوائية ومحاكمات صورية وإعدامات ميدانية للأقلية الصربية في كل الدول الخاضعة للنمساويين، تشاركت قوات الجيش مع ميليشيات مسلحة بوسنية/مسلمة موالية اسمها "قوات الحماية" (Schutzkorps) في تنفيذ تلك الفظائع. 

عبر أوروبا انتشرت المكاتبات الرسمية بين القوى الكبرى التي كانت تدرك قواعد اللعبة جيدًا: نستطيع دومًا الشجار حول المستعمرات وراء البحار، لكن الدخول في مواجهة مباشرة داخل حدود القارة هو الحمق بعينه! المشكلة كانت في ألمانيا وأنجلترا، فالأولى استيقظت متأخرة وتتضور جوعا لـ"المجد"، إذ يتوق القصير الكاريزماتي فيلهلم الثاني إلى فرصة لتوسيع إمبراطوريته الوليدة في أفريقيا وجزر المحيطات، أما الثانية فكانت تؤمن بسياسة وأد أي منافس محتمل على أراضي ما وراء البحار، ألمانيا في هذه الحالة، وتريد الاستيلاء على أملاكها في أفريقيا.

ألمانيا حليفة الإمبراطورية المجرية، كانت الطرف الأكثر حماسًا للحرب، ما جرَّ كل الدول إلى الحرب بمنطق الضربة الاستباقية، ومازال الجميع يتساءل إلى اليوم: لماذا بدأت الحرب؟!

في غضون 30 يوما كانت الأمور قد خرجت عن السيطرة، النمساويون هاجموا صربيا وبدأت معارك طاحنة، روسيا، حليفة صربيا، وفرنسا، حشدتا قواتهما على الحدود الشرقية والغربية لأراضي فيلهلم الثاني. المشكلة الحقيقية أن أحدًا لم يتخيل مغبة ما يفعله: ففي يونيو 1914 كانت أفكار تمجيد الحرب والمحاربين مازالت تملأ عقول الأغلبية الساحقة من أهل الأرض، ملايين المتحمسين من البسطاء تطوعوا لدرجة ان اطفال في عمر 12 سنة تم قبولهم. بالتوازي مع هذا كان العالم قد وصل لتقنيات تسلح متقدمة وغير مسبوقة ولم تجرب قط في حرب فعلية. وهنا كانت الكارثة، تخيل أنها المرة الأولى التي تنزل فيها الدبابات والطائرات والغواصات والسفن البخارية إلى ساحة المعارك الكبرى، وأنها أول تجربة واسعه للسلاح الكيماوي. في نفس الوقت كانت الأساليب التقليدية مازالت مستخدمة في سلاح المشاة. لذا حمل الجنود مدافع من عصر نابليون على الخيول، وساروا جنبًا إلى جنب مع المركبات الحديثة، عبث من الطراز الرفيع!

لمدة 4 سنوات دارت حرب كئيبة بطيئة وعنيفة، ليس فقط في أوروبا، بل في أجزاء واسعة من أفريقيا وآسيا وجزر المحيطات. وبهذا استحقت تلك الحرب لقب "الحرب الكبرى". الملايين تجمدوا واحترقوا في الخنادق المليئة بالثلوج أو الرمال الملتهبة وملأت أجسامهم بأمراض وأوبئة. منهم من فقد أطرافه بسبب التلوث وقضمه الصقيع. النتيجة النهائية كانت 15 مليون ضحية من الطرفين، إلى جانب عدد غير معلوم من المعاقين والأيتام والأرامل والمهجرين. وبالطبع دسته معاهدات غيرت العالم إلى الأبد!

ما لم يكن يعرفه قادة الدولة المتحاربة هو أن الدولة العثمانية مرتبطة بمعاهدة تعاون عسكري سرية مع الألمان، وبالتالي دخلت الحرب، من ناحية بدافع احترام معاهداتهم ومن ناحية ثانية بدافع رغبتهم في الانتقام من روسيا الأرثوذوكية التي تساعد الأرمن على الانفصال المسلح، ومن إنجلترا التي تسحب منها البساط في الشرق الأوسط. 

وقتها، كان الوضع في مصر فريدًا ومعقدًا. الإنجليز هم الحاكم الفعلي للبلاد بعد احتلالهم لها عام 1882، لكن رسميًا، كانت أسرة محمد علي هي الأسرة الحاكمة وتدين بولاء اسمي للسلطان العثماني. ومن هنا كان دخول مصر إلى ساحة الحرب، وهو موضوع المقال المقبل.

Thursday, October 2, 2014

الكومباوند الشعبي




نشر هذا المقال بموقع قل.برحاء متابعة القراءة هنا

في أحد المباني القديمة بوسط العاصمة التشيكية براغ يستقر ملصق إعلاني لبنك شهير الملصق عبارة عن مجموعة من السلافيين ويظهر أبو الهول خلفهم ، النص يحكي حكاية تتعلق بمرور تلك القوات بمصر خلال الحرب العالمية الأولى التي يحتفل العالم هذه الأيام بالذكرى المئوية لبدء أحداثها التي غيرت تاريخ الإنسانية والمنطقة، وحتى حياتنا اليومية التي نعيشها الآن، وبرغم أنها موضع تغطية شبه يومية في كل الميديا عالمية، فإنها هنا لا تحوز على أي اهتمام وسط هذيان السياسة الداخلية اليومي. 

حتى نفهم ماذا حدث في "الحرب الكبرى" وما أنتجته، لابد أن نفهم أولًا  شكل العالم سنة 1914. مبدئيًا عليك نسيان كل ما تعرفة عن خريطة العالم اليوم. تقريبًا نصف الدول التي تأهلت لآخر 4 كئوس عالم لم تكن موجودة وقتها. ودول بحجم ألمانيا وأيطاليا كانت حديثة التكوين ويطلق البعض عليها مصطلح "دول مصطنعة". القوى الكبرى كلها، باستثناء فرنسا والولايات المتحدة، كان يحكمها قيصر أو سلطان أو إمبراطور أو على أقل تقدير، ملك. 

المنطقة الأكثر اشتعالا في العالم كانت البلقان، التي كانت بجوار 3 إمبراطوريات كبري: من شمال الشرق (أعلى الخريطة) روسيا، حامية المسيحية الأرثوذوكسية بقيادة قياصرة الرومانوف، وفي جنوب الشرق (أسفلها) رجل أوروبا المريض: السلطنة العثمانية، ومن الغرب (اليسار) الإمبراطورية المجرية النمساوية، القوى الثلاث تبادلت احتلال المنطقة في عمليات تباديل وتوافيق استمرت 500 عام تقريبًا، خلال تلك السنوات نشأت تجمعات لأقليات عرقية ودينية في كل البلدان، على سبيل المثال تكونت جالية يونانية في تركيا، وتركية في رومانيا، وصربية في البوسنة، وبوسنية في كرواتيا، وهكذا.. 

في الوقت نفسه كان الكثير من القوميين الصرب يحلموا بـ"يوغوسلافيا الكبرى" على مساحة تمتد من كرواتيا إلى مقدونيا، وفي سبيل هذا قررت منظمة سرية تؤمن بهذه الأفكار تدعى "اليد السوداء" اغتيال ولي عهد الإمبراطورية المجرية النمساوية أثناء زيارته للبوسنة الخاضعة لسيطرته، ولي العهد كان في طريقه ليصبح الإمبراطور بعد مرض وكبر سن الإمبراطور الحاكم وقتها. والله وحدة يعلم ماذا سيكون الحال لو كان الأرشيدوق "فرانس فيردناند" قد نجا وحاز على اللقب، فكل الدلالات تقول إنه كان إصلاحيًا ويخطط لتقليص صلاحيات منصبه ويحلم بأوروبا على الطراز الأمريكي!!

هذا العصر كان عصر الاغتيالات الفاشلة والمضحكة بحق (كما سنعرف في المقال المقبل عندما يأتي على ذكر محاولات اغتيال سلطان مصر حسين كامل)، حادث اغتيال الأرشيدوق في البوسنة لم تكن استثناءً! فالمحاولة الحقيقية فشلت وقُبِض على أحد المنفذين، أما الأمير فأمر السائق بالتحرك إلى المستشفي لزيارة جنوده المصابين من جراء العملية، لكن السائق الذي لم يكن يعرف المدينة جيدًا سار في شارع خطأ، وفجأة وجد المنفذ الثاني نفسه على مسافة 5 أمتار من الأرشيدوق الذي أصبح الآن بعيدا عن حراسة، وفعلًا، بضغطتي زناد، كان الرجل وزوجتة مقتولين!

ألقي القبض على المنفذ واعترف بتفاصيل المؤامرة فورًا، عقب الاغتيال أرسلت الإمبراطورية المجرية النمساوية لملك صربيا التي كانت تتمتع بما يشبه الحكم الذاتي، رسالة شديدة اللهجة ومليئة بالطلبات، وافق الملك على كل ما فيها حقنا للدماء، باستثناء دخول محققين أجانب لمملكته، تزامن مع هذا بدء حملات اعتقالات عشوائية ومحاكمات صورية وإعدامات ميدانية للأقلية الصربية في كل الدول الخاضعة للنمساويين، تشاركت قوات الجيش مع ميليشيات مسلحة بوسنية/مسلمة موالية اسمها "قوات الحماية" (Schutzkorps) في تنفيذ تلك الفظائع. 

عبر أوروبا انتشرت المكاتبات الرسمية بين القوى الكبرى التي كانت تدرك قواعد اللعبة جيدًا: نستطيع دومًا الشجار حول المستعمرات وراء البحار، لكن الدخول في مواجهة مباشرة داخل حدود القارة هو الحمق بعينه! المشكلة كانت في ألمانيا وأنجلترا، فالأولى استيقظت متأخرة وتتضور جوعا لـ"المجد"، إذ يتوق القصير الكاريزماتي فيلهلم الثاني إلى فرصة لتوسيع إمبراطوريته الوليدة في أفريقيا وجزر المحيطات، أما الثانية فكانت تؤمن بسياسة وأد أي منافس محتمل على أراضي ما وراء البحار، ألمانيا في هذه الحالة، وتريد الاستيلاء على أملاكها في أفريقيا.

ألمانيا حليفة الإمبراطورية المجرية، كانت الطرف الأكثر حماسًا للحرب، ما جرَّ كل الدول إلى الحرب بمنطق الضربة الاستباقية، ومازال الجميع يتساءل إلى اليوم: لماذا بدأت الحرب؟!

في غضون 30 يوما كانت الأمور قد خرجت عن السيطرة، النمساويون هاجموا صربيا وبدأت معارك طاحنة، روسيا، حليفة صربيا، وفرنسا، حشدتا قواتهما على الحدود الشرقية والغربية لأراضي فيلهلم الثاني. المشكلة الحقيقية أن أحدًا لم يتخيل مغبة ما يفعله: ففي يونيو 1914 كانت أفكار تمجيد الحرب والمحاربين مازالت تملأ عقول الأغلبية الساحقة من أهل الأرض، ملايين المتحمسين من البسطاء تطوعوا لدرجة ان اطفال في عمر 12 سنة تم قبولهم. بالتوازي مع هذا كان العالم قد وصل لتقنيات تسلح متقدمة وغير مسبوقة ولم تجرب قط في حرب فعلية. وهنا كانت الكارثة، تخيل أنها المرة الأولى التي تنزل فيها الدبابات والطائرات والغواصات والسفن البخارية إلى ساحة المعارك الكبرى، وأنها أول تجربة واسعه للسلاح الكيماوي. في نفس الوقت كانت الأساليب التقليدية مازالت مستخدمة في سلاح المشاة. لذا حمل الجنود مدافع من عصر نابليون على الخيول، وساروا جنبًا إلى جنب مع المركبات الحديثة، عبث من الطراز الرفيع!

لمدة 4 سنوات دارت حرب كئيبة بطيئة وعنيفة، ليس فقط في أوروبا، بل في أجزاء واسعة من أفريقيا وآسيا وجزر المحيطات. وبهذا استحقت تلك الحرب لقب "الحرب الكبرى". الملايين تجمدوا واحترقوا في الخنادق المليئة بالثلوج أو الرمال الملتهبة وملأت أجسامهم بأمراض وأوبئة. منهم من فقد أطرافه بسبب التلوث وقضمه الصقيع. النتيجة النهائية كانت 15 مليون ضحية من الطرفين، إلى جانب عدد غير معلوم من المعاقين والأيتام والأرامل والمهجرين. وبالطبع دسته معاهدات غيرت العالم إلى الأبد!

ما لم يكن يعرفه قادة الدولة المتحاربة هو أن الدولة العثمانية مرتبطة بمعاهدة تعاون عسكري سرية مع الألمان، وبالتالي دخلت الحرب، من ناحية بدافع احترام معاهداتهم ومن ناحية ثانية بدافع رغبتهم في الانتقام من روسيا الأرثوذوكية التي تساعد الأرمن على الانفصال المسلح، ومن إنجلترا التي تسحب منها البساط في الشرق الأوسط. 

وقتها، كان الوضع في مصر فريدًا ومعقدًا. الإنجليز هم الحاكم الفعلي للبلاد بعد احتلالهم لها عام 1882، لكن رسميًا، كانت أسرة محمد علي هي الأسرة الحاكمة وتدين بولاء اسمي للسلطان العثماني. ومن هنا كان دخول مصر إلى ساحة الحرب، وهو موضوع المقال المقبل.

Monday, July 7, 2014

عندما انتصر المشروع علي المعجزة في مدينة الرب

"ديفيد لويس" يمسك بقميص زميله المصاب " نيمار" و يهدر بالنشيد الوطني البرازيلي مع 60,000  مشجع في الملعب و 200 مليون  خارجه  يشاركونه اليقين باقتراب حلم الفوز بكأس العالم في استاد الماركانا و الذي أصبح علي بعد مبارتين فقط.

في الكادر يظهر "ميروسلاف  كلوزة" بالقميص الألماني.لم يعد ذلك الشاب الذي عرفناه الآن يبلغ عمره 36 عاما و في جعبته  15 هدفا سجلها في 4 بطولات كأس عالم. أمام عينيه  يمر ملخص 13 عاما من الدراما الكروية و يحمد الله  أن أغلبية المشاهدين لا يتذكرون  انه اللاعب الوحيد الذي مازال مستمرا من تشكيلة "فضيحة ميونخ".

في اواخر العام 2001 كان الشاب الأشقر ذو الأصول البولندية يستمع بغيظ إلى هتافات  الجماهير الانجليزية:" "حربان عالميتان و كأس عالم" بعدما خسر منتخب بلاده بخمسة أهداف  مقابل هدف في قلب  ميونخ .

في العالم التالي شاهد من  الملعب  "الظاهرة" رونالدو و هو يسجل ثنائية  في مرمي" اوليفر كان" و رأي"سكولاري" ,المدير الفني للبرازيل  يقفز الي داخل الملعب فرحا بالكأس التي ذهبت الي برازيليا بدلا من برلين.عقب صافرة  النهاية جلس "ريفالدو"علي ركبتة ليشكر المسيح في حركة تقليدية من التراث الكروي اللاتيني أما زملاء الشاب الأشقر الذين أوصلهم  الحظ للمباراة النهائية  فلم  تنسيهم  الهزيمة  تبادل القمصان مع جيل تاريخي من ألمع المواهب الكروية الفطرية.
لثلاث سنوات متتالية  استمرت الكرنفالات  البرازيلية نتيجة الفوز  بكل من كأس أمم أمريكا الجنوبية و كأس العالم للقارات بالإضافة إلى حق تنظيم كأس العالم 2014.في عالم موازي , استقال "رودي فولر" بعد بطولة أوروبية كارثية خرج الألمان من دورها الأول ليتولي "يورجن كلينسمان" شريكه  السابق في هجوم المانشافت  القيادة بعد الاتفاق  مع اتحاد الكرة علي خطة مدتها سنتين هدفها انهاء عقد من النتائج السيئة و تحديث الكرة قبل كأس 2006 العالم التي تستضيفها البلاد .

في كأس العالم 2006 كانت جماهير ألمانيا تصفق لفريقها الشاب بعد خروجه  من نصف نهائي البطولة  لأنه  قدم عروضا قوية و غير متوقعة  و هزم خصوما كبارا كالأرجنتين. كلوزة يحصد لقب الهداف و بودولسكي,مهاجر بولندي آخر , يحصد لقب أحسن لاعب شاب.

يترك  "كلينسمان" مكانه  إلى مساعده  "جواكيم لوف" بعدما قدم للعالم اسماء شابة خاضت  تجربة كأس العالم للمرة الأولي كـ"شفانستايجر" و "لام" .أسماء ستصاحبه في مغامرته  الجديدة لتطوير فريق "بايرن ميونخ".

في البرازيل لم تشفع بطولات "كارلوس ألبرتو بيريرا" له و تمت اقالته عقب خروج البرازيل  من ربع النهائي بسبب تفضيله التكتيك علي الكرة الهجومية.

بين عامي 2008 و 2012 وصلت تشكيلة "لوف"  إلى قبل نهائي كل بطولة خاضتها عقب كل بطولة,كان المسئولين يجددوا الثقة  فيه أما البرازيل  فقد فازت مجددا بكأس امريكا الجنوبية و كأس القارات و لكنها غيرت مدربيها مرتين  بسبب عدم اعجاب الجمهور بأسلوبهما الدفاعي ليعود "سكولاري" مجددا.

يعرف "كلوزة" أن الكفة أصبحت مقلوبة,فألمانيا فريق متخم بخبرات لاعبين خاضوا  كبري  المباريات علي مستوي الأندية و المنتخبات في آخر 6 سنوات .فريق يلعب نصف قوامه الأساسي سويا في بايرن ميونخ الذي ينافس برشلونة علي لقب النادي الأقوي عالميا.

استغرق الامر فقط 5  دقائق  ليسجل  "مولر",أحسن  لاعب  صاعد في كأس العالم السابقة,هدفا
افتتاحيا. و في الدقيقة عشرين صنع  "ميروسلاف" التاريخ. و تخطي" رونالدو" ليصبح الهداف التاريخي لكأس العالم.النتيجة النهائية كانت 7-1.اثقل هزيمة لفريق مضيف و اكبر نتيجة في مباراة نصف نهائي في تاريخ الفيفا.

جوتزة يستلم الكرة علي صدره ثم يرسلها بيسراه إلى شبكة الأرجنتين في الدقائق الأخيرة ليكرر سيناريو نهائي كأس العالم 1990 ميسي"يطرق أسفا بينما يرفع "لام" الذي اصبح كابتن الفريق كأس العالم!

في المؤتمر الصحفي عقب المباراة يشكر "لوف"  رئيسه السابق "كلينسمان" و يؤكد أن اللقب هو نتاج مشروع  عمره عشر سنوات عملا عليه بمساندة مسئولي الكرة في المانيا
في 2004, صارح هؤلاء المسئولين أنفسهم بحجم المشكلة.حددوا  هدفا طويل الأمد و أختاروا الأشخاص المناسبين لتحقيقه..تركوا لهم حرية العمل و لم يفكروا في اقالتهم عند الاخفاق في منتصف الطريق. و بسبب ذلك  تمتلك ألمانيا اليوم الفريق الأقوى عالميا رغم ان أفراده لا يملكون نصف موهبة لاعبين اخرين.لكن كلا منهم يعرف عيوبه و ميزاته و يعلم أن الانجاز سينسب للمجموعة بلا تمييز. راكموا الخبرات في سنوات من العمل الدءوب مكنتهم من  دهس 3 أبطال للعالم.حتي "ميسي" ,الموهبة الخيالية لم يستطيع ايقافهم  ففاز  "المشروع " علي المعجزة في ريو  الشهيرة بمدينة الرب.

فيليب سكولاري كاثوليكي مؤمن,لذلك كافئته السماء ببطولة 2002,و لكنة عندما استمر علي عشوائيته و اعتماده علي خلطة المشاعر الوطنية و المواهب الفطرية انتهي الأمر بكارثة. الامر ذاتة ينطبق علي واقعنا .الأمم  تبني مستقبلها بالتخطيط العلمي او بانتظار معجزة.السؤال الآن:كم مرة مسئولا مصريا  يستخدم مصطلح "مشروع"؟


Friday, June 13, 2014

كيف كانت خريطة العالم الكروي عندما نظمت البرازيل كأس العالم للمرة الأولي



نشر هذ المقال بموقع قل.

عندما اجتاح الحلفاء روما في ربيع عام 1945.استطاع أخيرا رئيس اتحاد الكرة الايطالي اخراج علبة الأحذية القديمة من تحت سريره هناك أخفي الرجل تمثال  "جول ريمية"الذهبي ,الجائزة التي يحتفظ بها لمدة 4 سنوات بطل كأس العالم خوفا من تداعيات الحرب علي بلده التي كانت بطلة نسختها الأخيرة(1938) قبل الحرب العالمية الثانية  التي منعت أحداثها  إقامة أي بطولة خلال عقد الأربعينيات. و لأن القارة العجوز كانت حطاما ,لم يعترض الاتحاد الدولي علي العرض البرازيلي باستضافة البطولة.و بما أننا علي بعد ساعات من عودتها إلى أرض الكرة المقدسة.نستعرض هنا كيف كانت خريطت العالم السياسية و الكروية تبدو في المرة السابقة التي نظمت فيها  البرازيل كأس العالم.

بجانب استبعاد الفيفا لدول المحور ( اليابان وألمانيا) مع  استثناء إيطاليا كبطلة للعالم.كان العالم كله  
 خارجا من حرب أنهكت موارده الاقتصادية لذا كانت ظاهرة  البطولة هي  الغيابات و الانسحابات ,سواء في مرحلة التصفيات أوبعد التأهل.الأسباب تباينت إلي حد العبثية. الهند كانت صاحبة السبب الأكثر طرافة.فبعد أن تأهلت اوتوماتيكيا من قارة أسيا انسحبت لرفض الفيفا السماح للاعبيها باللعب حافيي الأقدام!بجانب ذلك رفضت الكثير من الدول ,و منها مصر,المشاركة لبعد المسافة و ارتفاع تكاليف السفر.كمارفض الاتحاد السوفيتي و أغلب الدولة الواقعة خلف الستار الحديدي المشاركة لأسباب سياسية.أبرزها بالطبع كان المجر و تشيكوسلوفيكيا  اللذان تأهلا للمبارتين النهائيتين  للبطولاتين السابقتين(1934 و 1938).

تأهل إلي البطولة 16 فريقا تقلصوا إلي 15 بعدما انسحبت تركيا قبل أسابيع من القرعة و رفض فرنسا و البرتغال أن تحلا محلها . الحدث الأبرز كان موافقة دولة بريطانيا العظمي علي "التنازل" و الاشتراك  للمرة الأولي في بطولة عالمية.حتي ذلك اليوم,كانت انجلترا,اسكتلندا,أيرلندا وويلز ترفض  الاشتراك في بطولات كرة القدم الدولية لأن العالم ليس مؤهلا بعد لمنافستهم .علي سبيل التكريم,قرر الفيفا تخصيص مقعدين منفصلين لأبناء شبة الجزيرة  بعيدا عن التصفيات الأوروبية.في هذا الوقت كانت تجري بطولة سنوية تسمي:"بطولة  الأمم البريطانية" و التي أسفرت عن تأهل انجلترا و أسكتلندا التي انسحبت لاحقا!

انتظر الإنجليزالمنتشون بانتصارهم في  الحرب العالمية  عودة فريقهم بالبطولة بعد نزهة أمازونية.لم لا و أرضهم هي مهد الكرة؟.بعد انتصار أول علي شيلي.نقلت برقيات التلغراف الخبر الذي ظنته لندن خطأ مطبعي.انهزم منتخب الثلاثة أسود أمام مجموعة من الهواة الأمريكيين بهدف سجله مدرس ثانوي من أصول ايرلندية بكرة مررها سباك إيطالي من الجيل الثاني من المهاجرين! لاحقا تلقت الأمة الصدمة بالهزيمة الثانية أمام أسبانيا و التي تعني خروج الفريق من الدور الأول  و تأهل الدولة الأيبيرية وحدها إلي المرحلة الثانية.

المجموعة الأولى كانت تضم علي رأسها البلد المضيف.و الذي كان حتي هذة النقطة دولة متوسطة المستوي كرويا فازت بلقبها القاري الأول(كوبا أمريكا) قبل كأس العالم بعام واحد.تأهلت البرازيل بفارق نقطة واحدة عن يوغوسلافيا بينما ودعتا المكسيك و سويسرا البطولة من الدور الأول.
المجموعة الثالثة ضمت إيطاليا بطل العالم في النسخة الثانية و الثالثة و  التي خسرت  8 من أبرز  لاعبيها قبل البطولة في حادثة تحطم طائرة فريق تورينو و السويد التي تأهلت بعد فوزها علي الأزوري 
بثلاثة أهداف مقابل هدفين بينما قبعت الباراجواي ,و كالعادة,في مؤخرة المجموعة

المجموعة الرابعة كانت كوميدية للغاية لأنها لم تضم سوي فريقين و لم تقام بها سوي مباراة واحدة انتهت بفوز الأوروجواي,بطل النسخة الأولي عام 1930 علي بوليفيا بثمانية أهداف للا شيء!
بحلول التاسع من يوليو بدأ الدور النهائي الذي  أقيم بنظام المجموعة بين رؤوس المجموعات ال4.اكتسحت البرازيل السويد و أسبانيا بنتائج قياسية(7-1 و 6-1) بينما تعثرت الأوروجواي و تعادلت مع  أسبانيا.في السادس عشر من يوليو احتشد عدد غير معلوم تؤكد كل التقارير أنه تخطي ال200 الف متفرج في أستاد الماراكانا مسجلين رقما قياسيا للحضور في مباراة واحدة في تاريخ البطولة  لمشاهدة فريقهم الذي يكفيه التعادل للحصول علي كأس العالم الأولي في تاريخه.

لعب الفريق المضيف بحماس بالغ وسط تشجيع جنوني و اقترب كثيرا من اللقب بهدف في بداية الشوط الثاني ل"فرياتشا".علي غير المتوقع لملم الضيوف صفوفهم سريعا و عادلوا النتيجة ل"شيافينو" ثم صدم "جيجيا" الجميع بهدف ثاني قبل نهاية المباراة ب10 دقائق.بعد ذلك تحول الملعب إلي ساحة للركل و استطاع الأوروجواييون المحافظة علي نظافة شباكهم في الوقت المتبقي لتنتهي المباراة بحصولهم علي اللقب الثاني و تسجيل لحظة مفصلية في تاريخ الكرة.لحظة قال عنها صانعها بعد 60 عاما:"3 فقط استطاعوا اسكات 200 ألف برازيلي بحركة واحدة انا و البابا و فرانك سيناترا"!

في كل المدن البرازيلية عاد الجميع,كبارا و صغارا إلي بيوتهم باكين.في اأحد الفافيلات الفقيرة ربت طفل أفريقي صغير علي كتف أبوه ووعده أن يحضر له كأس جول ريميه إلي البيت.تعامل الأب مع الأمر بالكثير من الخفة,لكن بعد 8 سنوات كان "بيليه" قد وفي بوعده ,بل و استطاع الحصول للبرازيل علي بطولتين أخرتين أسستا لأسطورة  "أرض كرة القدم المقدسة" التي يعود اليها المونديال أخيرا.



Friday, June 6, 2014

كم خسرت مصر بسبب القرارات المفاجاة للحكومة خلال انتخابات الرئاسة 2014؟





في  العاشرة من مساء الأثنين الماضي و علي أثر ضعف المشاركة في اليوم الأول للانتخابات الرئاسية المصرية.أصدر المهندس أبراهيم محلب رئيس مجلس الوزاء قرارا بجعل الثلثاء  أجازة رسمية مدفوعة الأجر بالدولة.المهزلة كانت شديدة الوطأ لأن أغلب هؤلاء الموظفين كانو افتراضيا قد خلدوا بالفعل الي النوم او علي وشك.بعد أقل من 24 ساعة,و قبل ساعات قليلة من أنتهاء المدة المحددة للتصويت,قررت اللجنة الانتخابية  تمديد العملية الأنتخابية ليوم أضافي!

هنا نحاول الأبتعاد عن الأنحيازات السياسية  و الأكتفاء بحساب مقدار خسارة  كل من الدولة و القطاع الخاص جراء هذة القرارات.في نفس الوقت ,نحن نعترف بعبثية المحاولة و عدم جدوي المجهود  لأننا موقنين ان  أتخاذ تلك القرارات  لم يتطلب  نفس المقدار من  الوقت الذي كتب فية هذا المقال و  لم يبحث تأثيراها علي الأقتصاد رغم ان متخذها يفترض لدية الدراية تامة بعلوم أدارة المشاريع و الأقتصاد بحكم منصبة السابق كرئيس لمجلس أدارة أكبر شركة مصرية عاملة في مجال الهندسة و المقاولات

1.         تكلفة رواتب العاملين بالدولة و القطاع الخاص:
 لو فرضنا ان متوسط  مرتب الموظف المؤمن علية هو  1500 جنية(يشمل الرقم  الضرائب و التأمينات التي يتم خصمها من  المنبع). فأن هذا يعني انة يكلف مخدومة 75 جنية يوميا(و ذلك بقسمة الراتب علي عدد  ساعات عملة الشهري حسب قانون العمل و هي 160 ساعة ثم ضربة في ثمانية و هي عدد ساعات العمل يوميا) .بضرب الناتج  في 6 مليون (و هو عدد موظفي القطاع العام في مصر ) سنحصل علي نتيجة تتخطي  حاجز ال400 مليون جنية مصري تم دفعها من جيب دافع الضرائب لموظفين لم يقوموا بعملهم.كما  يتوقع ان تتعدي الخسائر المماثلة في  القطاع الخاص الملياري جنية

2.         تكلفة المشرفين علي الأنتخابات:
أشرف علي الأنتخابات  حوالي 14000 قاضي.متوسط بدلات الفرد 2000 جنية يوميا (و هو رقم أفترضناة  بناء علي ما نشر من في الصحف عن الأنتخابات السابقة.) اي أجمالي يقارب ال30 مليون جنية يوميا.
أضف الي ذلك مكافئات أربعة الي خمسة أضعاف عدد القضاة  من ضباط و جنود و أمناء الشرطة  و لا تنسي ان تضيف المصاريف اللوجيستية (وقود و صيانة للدبابات و السيارات).دعنا  نتفائل و  نقول ان التكلفة الاجمالية  لهذا البند  هي  60 مليون .

3.         أغلاق البنوك و شركات الشحن بدون انذار مسبق:
حصول شركات الشحن علي أجازة بدون أنذار يعني ان أطنانا من البضائع ستبيت علي أرصفة الموانيء لليلة أضافية.يترجم ذلك الي تكلفة أضافية يدفعها  أصحاب البضائع كأيجار  لمساحة التخزين(تسمي في لغة السوق "أرضية").

اما أغلاق البنوك فيعني يقاف كل العمليات المصرية. و أنقطاع مصر ماليا عن العالم.اي عدم قدرة الشركات و التجار المصريين الوفاء بألتزاماتهم نحو شركائهم و مورديهم.و بالتالي وقوعهم تحت طائلة القانون و أضطرارهم لدفع غرامات تأخير او  علي أحسن تقدير فائدة أضافية.و نحن هنا نتكلم أيضا عن أموال طائلة  لا يسع المجال لحصرها لكننا نتوقع انها في نطاق عشرات الملايين من الجنيهات.

4.         عدم قدرة  البنوك علي الأستثمار في عمليات "وديعة اليوم الواحد"
في نهاية كل يوم عمل تقوم بنوك القطاع العام و الخاص ب"تأجير" جزء من أموال موديعيها  السائلة  الي بنوك أجنبية لمدة ليلة مقابل فائدة في حدود 2%.تسمي هذة العملية "وديعة  اليوم الواحد"   و تعتبر مصدرا مهم للعملة الأجنبية .و ايقافها لمدة يوم يعني خسارة لا يتيسر لنا حسابها بدقة لكننا نتوقع انها تتخطي بسهولة ال15 مليون جنية.

5.      ترحيل مواعيد تسليم المشاريع و  الأعمال
لكل مشروع |او عملية معاد للتسليم و  خطة عمل و موظفين مسئولين عن تنفيذها.هاشم الربح هو ناتج خصم التكلفة الأجمالية(بما فيها مرتبات الموظفين المسئولين خلال فترة العمل بالمشروع) من القيمة التي تم الأتفاق مع العميل علي دفعها.
يوم الأجازة مدفوع الاجر يضيف الي التكلفة الكلية,و بالتالي يقلل هامش الربح و الذي عادة يكون صغيرا في اغلب المشاريع قصيرة الأجل.بالنسبة للشركات المنفذة يعني ذلك ربحا أقل و أحتمال الوقوع في دائرة الشروظ الجزائية في حالة تأثر معاد التسليم.أما علي مستوي الدولة فيعني  تحصيل مقدار  أقل من الضرائب في نهاية السنة المالية. و نحن هنا نعترف بأننا لا نمتلك الشجاعة لتقدير ذلك البند

6.       الخسائر الناتجة من الأغلاق المبكر لمولات التسوق:
"طلبت" الحكومة من أصحاب العديد من مراكز  التسوق الكبيرة الأغلاق مبكرا يومي الثلثاء و الأربعاء. و هو يؤدي الي ما يسمي بال revenue lose اي عدم الحصول علي الأيراد المتوقع .وهو ما يؤثر علي قدرة أصحاب المحلات و ال"كافيهات" و السينمات علي الوفاء بألتزاماتهم نحو موظفيهم و نحو دفع المستحقات الشهرية مثل الأيجار و دفعات الأقساط المستحقة لتجار الجملة و الموردين.
علي مستوي أخر لا ينبغي ان ننسي ان الحكومة تستقطع  ضريبة مبيعات من المواطن علي كل ما يستهلكة المواطن(و هذا موضوع أخر ذو شجون ).لذا فان كل جنية لم يستطع صاحب اي مشروع كسبة يؤدي الي نقصان الضريبة التي تنتظرها الدولة"

7.      خسائر قطاع البورصة  
منذ اليوم الأول للثورة   يحدثنا "الخبراء" عن خطورة تأثر البورصة بسبب حركات الأحتجاج.حسب الجرائد الحكومية المصرية.بلغت خسائرالبورصة المصرية 6 مليارات جنية مصري  في الأيام الثلاثة السابقة.فما رأيهم؟

نكتفي بهذا القدر بعدما قد قاربت توقعاتنا خسارة الدولة  المليار جنية و هو رقم سيتم أستقطاعة حتما من الموازنة العامة.اما خسارة القطاع الخاص فلا يمكن تقديرها.و نؤكد مرة أخري للقاريء ان حساباتنا تقديرية و تقريبية لأن أنتظار  أي أحصائيات او ارقام دقيقة من الدولة ماهو الا مضيعة للوقت و غير مضمونة النتائج. لذا نتعذر مقدما عن اي خطأ و ننتظر منة  اي تصحيح او معلومات تقربنا من الحقيقة.
الخسارة الأكبر: تأكيد  سمعة مصر كبلد طارد للأستثمارات الأجنبية


و في النهاية لا يسعنا الا ان نشير ان الخسارة الحقيقية التي تفوق كل ما سبق هي ان دولة 30 يونيو أكدت للعالم من جديد  علي عدم نضوجها.فبجانب الحملات الممنهجة لشيطنة أي نشاطي او شخص أجنبي في مصر ,تقوم مصر هذا العام  بتغيير التوقيت الصيفي 4 مرات في غضون 4 أشهر بدون تحذير مسبق. ثم قررت في منتصف الليل  تعطيل العمل بالدولة صباح اليوم التالي.و هو بلا اي مبالغة مستوي من العبث يكاد يقارب سنوات تألق العقيد القذافي.و علي كل حال فموجة  أغلاق او تقليص تمثيل العديد من كبريات الشركات ك Intel و Yahoo  و بروكتر أند جامبل لمكاتبها و مصانعها بالقاهرة قد بدأت بالفعل.