Tuesday, April 19, 2011

عن الأمل في دولة مدنية(وطن جديد شجاع)

علي مقهي بحي الظاهر,جلست اشرح لصديقي القاهري القح سليل الطبقة الوسطي التوازنات العائلية و العرقية التي تحكم الأنتخابات البرلمانية في اجزاء من الحضر المصري و تسيطر علي المشهد في دلتاة و جنوبة.احبطت حساباتي المتشائمة صديقي الذي كان متحمسا في بداية مقابلاتنا و بدأ في فهم اصراري علي القتال من اجل تطبيق القائمة النسبية في الدورة برلمانية القادمة علي الأقل. كان تفائلي,رغم تلك الحسابات السودوية لغزا غير مببرا في نظرة,و خاصة لما عهدة مني من تشائم و توقع السيناريوهات الأسو في كل ما يتعلق بالمستقبل.

جرنا النقاش الي طرح السؤال الأشهر الذي طالما اعيي خبراء علوم الأجتماع و الأقتصاد و السياسة "لماذا لا يثور المصريين؟". و لعل تجاهل البنية المجتمعية كان سببا رئيسيا في ابقاء السؤال عصيا علي الأجابة طوال كل تلك السنين .فخلال الأربع مائة سنة الأخيرة تبلور مصطلح ال"دولة المدنية" في اماكن مختلفة من العالم,لكن محليا لم تجر مياة كثيرة تحت الجسور.بالتأكيد طرأ الكثير من التغير علي ملبس ومأكل و نمط المعاملات التجارية.فأستبدلت الخيول بالسيارات ,و حلت الأزياء الغربية محل القفاطين,و ملأت اجهزة الهاتف الخلوي واجهات الدكاكين بدلا من القرب و الطرابيش و اطمأن المصريين الي ايداع اموالهم في البنوك, لكن أحتفظ االقطاع الأكبر منهم بأغلب القناعات و الافكار و العصبيات القبلية و التراتبية التي أنتجها أسلافة,يستوي في ذلك الأمي و الجامعي,الأزهري و خريج المدارس الفرنسية.

كان نظام مبارك,حتي مقارنة بمن قبلة من عسكر, الحجر الأكبر في وجة كل محاولة لتغيير تلك البنية.فقد كان مدركا ان تنامي الوعي عند ابناء المجتمع يشكل الخطر الأكبر علي بقائة,لذا لم يقم ابدا بأي جهد حقيقي في تطوير او حتي المحافظة علي المستوي المتدني لمؤسساتة التعليمية التي انتجت عبر السنين الملايين من الجامعيين غير المؤهلين لا تقنيا ولا ثقافيا و علي المحافظة علي كل من شبكة المصالح المعقدة و الهيكل التراتبي العائلي او الديني الذي يقصي الأغلبية خارج طاولة مفاوضات يتحدث فيها فرد او اقلية بأسمهم.و لذا فأن سقوطة الغير متوقع,افسح مساحة للحلم بدوران عجل التاريخ في مصر علي النحو التي جرت فية في مناطق اخري من العالم.

علي المدي القصير,تبدو الصراعات الديموقراطية و الحقوقية الأحق بالحصول علي الأولوية,لكن حتي لو احرز المناضلين كل النجاح المأمول, سيظل التغير الحقيقي و المستدام مرهونا بعملية تفتيت البنية القبلية للمجتمع. و بالنظر الي لأوضاع الأجتماعية المقعدة في مصر,فان عملية تحول بذلك القدر من الجذرية قد ستستغرق اجيالا. و اذا وضعنا الأمور في سياقها التاريخي فسيتبين لنا ان ثورة الخامس و العشرين من يناير يمكن ان تعد الخطوة الثالثة في عملية التحول نحو الدولة المدنية,تلك العملية التي ساهمت فيها الأنظمة حينا و حركتها عجلة التاريخ او القصور الذاتي احيانا .

كان من المنطقي ان تستغرق الخطوة الاولي المساحة الأكبر من الوقت,بدئا من أرسال محمد علي البعثات الي اوروبا مرورا بمشاريع الخديوي أسماعيل الحالمة و حتي أنشاء جامعة فؤاد الأول.بينما دشن النظام الناصري,بقصد او بدون,المرحلة الثانية بأتاحة الفرصة لدخول الجيل الأول من كثير من ابناء الطبقة الوسطي الدنيا و الدنيا الحضرية و الريفية الي الجامعة خلال عقدي الخمسينات و الستينات. وقع الكثير من ابناء هذا الجيل في اشكالية,فجاة وجدوا انفسهم حاملين لمجموعة من القيم و التقاليد تختلف كثيرا عن تلك الخاصة بأبائهم,و نمي لدي الكثير منهم شعور بالأزدواجية بين حياتهم ال"مدنية" مع اقرانهم و بين المنظومة التراتبية التي تحكم بيوت عائلاتهم.عندما اتي الدور عليهم لتولي القيادة,قام غلبهم,بلا وعي منهم, بتكوين خلطة ما بين ما قرأوة و مارسوة في شبابهم و بين السلطوية التي لم يعرف التابعين غيرها.لكن الجيل الثاني من الجامعيين,و خاصة من ابناء المدن جاء منبتا عن ذلك السلسال,رافضا لطريقة العيش تلك بما فيها من قيود.

في العشرين عاما الأخيرة,حرص أغلب كبارات العائلات الكبيرة,و الذين لم يحصل جلهم علي علي قسط وافر من التعليم, علي حصول اولادهم علي شهادات عليا,حتي لو كانت غير ذات قيمة علمية,كنوع من انواع الوجاهة الأجتماعية ,في قاعات المحاضرات و كافيتيريات المعاهد و الجامعات(و بالذات الخاصة, منها)خالط هؤلاء الشباب اقرانهم من سكان الأحياء الغنية من الجيل الثاني و الثالت من الجامعيين. و كما حدث من قبل,وقع الكثير في فخ الحيرة بين نسقيين قيميين متضاديين.و حينما تأتي اللحظة و يصبح فيها هؤلا الشباب قادة لمجتمعاتهم و عائلاتهم,سيخلقوا بدورهم طريقتهم الخاصة في تصريف الأمور,التي ستكون في كل حال اخف ضررا من طريقة ابائهم الذين لم يألفوا سوي اطاعة الكبير و تفضيل المصلحة العائلية علي المصلحة العامة.اما الأحفاد, فسيكونون في الأغلب,اكثر مدنية كغيرهم من ابناء الجيل الثاني من المتعلمين.

ربما اتفقنا ان اتساع رقعة المتعلمين كان امرا واقع الحدوث اجلا,لكن المكسب الحقيقي للثورةهو تعلم ابناء بعض الطوائف و التيارات الدينية فضيلة التمرد علي اختيارات قياداهم السياسة و الروحية,و هو ما جعل تلك القيادات بلا خيارات سوي تجاهل حدث الثورة او القبول بالأمر الواقع و محاولة الأيحاء بان النزول للشارع جاء بنائا علي قرارات اتخذوها بأنسفهم.و بنجاح الثورة في اسقاط رأس النظام,تبدو فرص حدوث أحتجاجات اكثر حدة داخل او علي تلك القيادات السلطوية امرا قابلا للحدوث في غضون سنوات.أحتجاجات ,ان لم تغير تلك المؤسسات جذريا,فأنها علي الأقل ستجعلها مجبرة علي اخذ منحي اصلاحي يسمح لها بالاندماج بشكل أوسع داخل بوتقة المجتمع. هاتا الخطوات ستتما المرحلة الثالثة و ربما تكون تتمة تحول مصر لدولة مدنية.و و ربما كان مؤتمر شباب بالأخوان الذي أقيم بعيدا و رغما عن مكتب الأرشاد ثم تأسيس نجيب ساوريس لحزب ليبرالي يعدا تدشينا لتلك المرحلة.

اعلم جيدا ان مصر لن تتحول لدولة مدنية بالمعني الحقيقي للكلمة بين يوم و ليلة.و اننا سنعد من المحظوظين لو شاهدنا هذا اليوم بأعيننا في شيخوختنا البعيدة. لكن يبقي الأمل في ان يأتي يوم يقف فية ابنائنا سواسية امام القانون. يوم يفهم فية المصريين ,بغض النظر عن ديانتهم و عرقهم و خلفيتهم التعليمية ان مصلتحهم الكبري تكمن في تقبل اختلافهم و في ان يكون ولائهم الأول للوطن,تلك للمساحة المشتركة من لأرض التي يتشاركون فيها.

اعرف ان الأسوأ لم يأتي بعد,لكن الأفضل ايضا سيأتي,فقط اتمني ان يتأخر قليلا ليجيء في النهاية. كلما ضاقت بي السبل أتذكر كل تلك العقول الشابة النجيبة التي صرت اصادفها يوميا....و اتفائل.

Monday, May 31, 2010

east shots west





















في درة اسطنبول التاريخية 'ضلمة بهشا'، أخذت سيدة في منتصف العمر ترتدي ثيابا محافظة في تصوير شابه ترتدي ثيابا عصرية ضيقة لمدة تزيد عن نصف الساعة. بدا لي الأمر كما لو أن ملفا سيتم تقديمه إلي مسابقة ملكات جمال أو وكالة إعلانية في طور الإعداد. لم تسعفني ذخيرتي القليلة من التركية في معرفة إذا ما كانت السيدة المحجبة مصورة محترفة أم أنها قريبة للفتاة.

قد يري البعض الصورة كتعبير عن التعايش المشترك بين العلمانية و النسخة التركية من الإسلام, بينما يراها البعض الآخر انعكاسا لموقع تركيا الجغرافي ولتاريخها . "حيث يلتقي الشرق بالغرب" كما تؤكد اللافتات السياحية أما الباقون فقد يرونها رمزا لما يحدث في تركيا اليوم. فتاة عصرية تبتسم أمام كاميرا سيدة محجبة تكتفي بالبقاء خلف الكواليس. في النهاية تبقي لكل رواية العديد من الوجوه.

Tuesday, May 4, 2010

كل شيء هاديء في القصر العيني

بعد منتصف ليل شارع القصر العيني الحاضن لمبني مجلسي الشعب و الشوري و الفاصل ما بين قلب القاهرة المسمي ب"وسط البلد" و حيا جاردن سيتي و المنيرة الهادئين.

كنت قد انتهيت لتوي من تناول عشاء دسم بحي السيدة زينب و قررت التريض وحدي الي وسط المدينة حيث تركت سيارتي القديمه بينما فضل الرفاق اللحاق بقطار المترو الأخير.

كنت قد أغلقت لتوي فصلا من تاريخي المهني ,ولما كان مقر عملي السابق في حي جاردن سيتي,فقد اعتدت المرور بالشارع في مختلف اوقات النهار ,و بما اني من معتادي الأختلاف علي مقاهي و مطاعم و مشارب وسط المدينة فقد الفت ايضا المرور عبرة في ساعات الليل.

كان الشارع في هذا المساء و قد عاد لهيئتة الأولي و كـأن شيئا لم يدر هنا حتي البارحه. في مثل هذا الوقت من مسائات الشهورالسابقة كان المار سيفاجيء سيفاجيء بالكوردون الحديدي و البشري(من جنود الأمن المركزي) المحاصر للأجساد المكومة تحت الأغطيه علي الرصيف الموازي لمبني المجلس الموقر.صحيح انة , و الحق يقال ,لم يعكر النائمين صفو هدوء الشارع ,و لكنك حتما كنت ستحس جوا من التوتر خلال مرورك بالمكان. تناوب علي احتلال هذا الحيز المكاني عمال عدة مصانع تم تصفيتها من قبل مالكيها بدون اعطائهم حقوقهم التي ينص عليها قانون العمل.شارك هؤلاء العمال الأعتراض موظفي مجموعة من الهيئات الحكوميه.تطور الأمر بعد مظاهرة المطالبة بحد ادني للأجور في الثاني من مايو,الموافق لعيد العمال, والتي شارك فيها العديد من نشطاء حقوق الأنسان,ليصل اجمالي المتظاهرين وقتها الي زهاء الألف,و هو رقم كبير بمقاييس المظاهرات في مصر.

بعد يوم واحد من خطبة رئيس الجمهورية بمناسبة عيد العمال,صعد المعتصمين من تحديهم للحكومة,ارتدي بعضهم ملابس ممزقة و ربط بعضهم جسدة بحبل الي عامود انارة بينما قرر الأخرين قطع الطريق و ايقاف سير السيارات.أعتبرت الحكومة هذا التصرف الأخير تخطيا للحدود الحمراء و قررت انهاء الأعتصام,استخدمت بالطبع القوة الجسدية ,التي وصفها البعض بالمفرطة.علي اي حال اتهمت الحكومة المتظاهرين بتعطيل المرور و مقاومة السلطات.

وفقا لبعض الشائعات فأن الحكومة قد اتخذت التصعيد الأخير ذريعة لفض الأعتصام,بينما كان السبب الحقيقي هو أخلاء المنطقة قبيل زيارة رئيس الوزراء الكيني لمصر علي خلفية ازمة مياة النيل المتزامنة مع الأعتصامات.ذكرني الحادث بقصه "كنس" اللاجئين السودانين من امام مسجد مصطفي محمود في الواحد و الثلاثين من يناير 2005.كنت وقتها أستعد للاحتفال بقضاء سنتي الأولي في القاهرة,و كان طريق العودة من مقر عملي الي سكني يمر عبر حي المهندسين الراقي.وقتها تجمع ما يزيد عن الألف لاجيء سوداني في الحديقة المواجهة للمسجد الذي يقع بجانب المفوضية العليا للاجئين اعتراضا علي وقف الأمم المتحدة صرف الأعانات لهم. اشهد لهؤلاء اللاجئين, مثلما أشهد لعمال القصر العيني, بعدم ميلهم الي بدأ المشاكل مع الأهالي .الحق أني ايضا اشهد ,علي عكس معتصمي المجلس, بنظافتهم و هدوئهم و تنظيمهم (كان يبدو لي احيانا و كأن العمال القادمين من قري و المدن الصغيرة و المناطق العشوائيه مستمتعين بمشاكسة الحكومة و تناول وجبات الكشري و مغالظة الصبايا المارات حولهن),قبل ليلة واحدة من الأحتفال برأس السنة الميلاديه,قررت الحكومة ان صبرها نفذ و قامت بتنفيذ وعيدها.احاط المئات(و قيل الألاف) من قوات الأمن المركزي بالحديقة و بدؤا في رش اللاجئين بالمياة من الخراطيم التي تستخدم عادة في اطفاء الحرائق.تلي ذلك الهجوم التكتيكي اشتباك ميداني شحن علي اثرة اللاجئين في مركبات الي معسكرات ايواء بدون اي مراعاة لتسكين الأسر في مكان واحد.كانت حصيلة فض الأعتصام ,حسب الروايات الرسميه 27 قتيلا.و في الحقيقة لم استطع متابعة ما تم بعدها بسبب ضغوط العمل التي ظللت ارزح تحتها لسنين طوال.

مشهد فض الأعتصام كان ختاما لمسلسل طويل من الخصام و التصالح و العاب السياسة بين الحكومتين المصرية و السودانية و المفوضية العليا للاجئين,تغيرت فية التحالفات نتيجة للمصالح السياسة و الأقتصادية و استخدم فية اللاجئين كورقة ضغط من الجميع ضد الجميع.علي كل حال, وفقا للشائعات كالعادة ,كان السبب الرئيسي لفض الأعتصام في هذا اليوم تحديدا هو "تطهير" المكان قبيل الأحتفالات برأس السنة في الحي الراقي الذي تلقي مقاهيه و مطاعمة و مشاربه و مراقصه الباهظة اقبالا بين سكان دول الخليج الفارسي.

عرفت بالحادثة في اليوم التالي و قررت مباشرة الأتجاة لمعاينة الموقع ,وجدت كل شيء و قد عاد لوضعة الأصلي و كأن أحدا لم يشغل هذا الحيز المكاني لشهور لأسابيع و أسابيع.الليلة يتكرر الأمر ذاتة في شارع القصر العيني .تمر بخيالي مشاهد من فيلم " كل شيء هادئ في الضفة الأخرى " المأخوذ عن رواية " أريك ماريّا ريمارك" الحزينة "كل شيء هاديء علي الجبهة الغربية.

اجتاز اشارة المرور الي ميدان التحرير فيقابلني ميدان التحرير بكل صخبة الي لا يصمت ليلا ولا نهارا و اعبت بجيبي بحثا عن مفاتيح سيارتي.ينتظرني الأن وقت عصيب لأجتياز الطريق الطويل المزدحم الي محل سكني.