Tuesday, May 15, 2012

موردخاي فانونو,البطل اليهودي


"موردخاي علي الأسفلت"* لابد ان هتافا مشابها قد قيل مثل هذا الأوان من العام 2004.في يوم ربيعي هادي,خرج "موردخاي فانونو" التقني الأسرائيلي الذي افشي  معلومات و صور سرية لنشاط بلادة في مجال انتاج اسلحة الدمار الشامل( الأسلحة النووية) من محبسة الذي دام ثمانية عشر عاما بسجن شيكما ٍ.

في لحظة اطلاق سراحة,رفض موردخاي الرد علي اي اسئلة توجة الية باللغة العبرية و اتهم اجهزة المخابرات الأسرائيلية بمحاولة اذلالة و معاملتة بقسوة شديدة خلال فترة سجنة التي قضي احد عشر عاما منها في زنزانة نفرادية

ولد فانونو بمراكش  في العام 1954. هاجر ابوة الراباي السفرديم مع  باقي العائلة  الي اسرائيل  عندما كان طفلا ابن تسعة سنوات.و في العام 1971 انضم الي جيش "الدفاع" الأسرائيلي و خاض حرب  العام 1973 حيث استقرت وحدتة  بهضبة الجولان الي ان تم تسريحة في العام التالي. و هو نفس العام الذي بدأ فية  درس الفيزياء بجامعة تل ابيب التي غادرها بعد عام واحد بسبب رسوبة المتكرر.

بعد ذلك بعامين ,حصل موردخاي علي وظيفة بمركز النقب  للأبحاث النووية Negev Nuclear Research Center,و هو مركز متخصص في تصنيع و نطوير الأسلحة النووية بالقرب من "ديمونة.لم يكن الحصول علي تلك  الوظيفة امرا سهلا,فقد أحتاج الامر لأكثر من ثمانية عشر شهرا من الأختبارات القاسية و التحقيقات المتمهلة حتي تم قبولة. حتي هذا الوقت و رغم كل التوقعات و التخمينات ,فشلت مختلف  أجهزة المخابرات في العالم التوصل الي اي حقائق دامغة تؤكد امتلاك او نية اسرائيل لتطوير اسحلة نووية و خاصة مع اتباع الدولة العبرية  لسياسة غموض متعمدة بخصوص نشاطها النووي

 .كانت نقطة التحول في حياة الشاب حينئذ, موردخاي, هو شروعة  في دراستة الجغرافيا و الفلسفة بجامعة بن جوريون في وقت فراغة في نفس العام الذي وقع فية بيجين و السادات اتفاقية كامب ديفيد.في الجامعة بدأ  فانونو في الأنتقاد الصريح للكثير من سياسات بلادة. و هو امر لم يكن عاديا ولا مقبولا وقتها في السياق التاريخي للأحداث و  خاصة في ظل الظروف الأقليمية المتوترة و الشوفونية التي كانت تملأ المجتمع الأسرائيلي في سنوات كانت لا تزال تعتبر سنوات تكوين.

عارضت مجموعة ال"بوصلة" و التي انشئها مع  9 طلاب اخرين(4 من اليهود و خمس من العرب) حرب لبنان عام 1982.كما كان ايضا ناشطا بحركات احتجاجية اخري دعت بالمساواة الحقوقية  بين العرب و اليهود داخل اسرائيل. و عندما حصل علي شهادة تخرجة في العام 1985 كان ملفة الأمني بمركز البحوث يقول انة "يساري الهوي و يتبني  وجهة نظر مساندة لحقوق العرب".

في نفس العام,فقد موردخاي وظيفتة ضمن عملية  ترشيد نفقات قامت بها الحكومة شملت ايضا اعادة هيكلة للقطاع العام لكن اتحاد العمال استطاع اعادتة الي وظيفتة مجددا.بعد ذلك بفترة قصيرة,تم فصلة من العمل مرة اخري  لأشتراكة في تظاهرات تطالب بأنشاء دولة مستقلة للفلسطنيين.لكنة قبل ذلك بقليل  كان قد استطاع ادخال كاميرتة  الي المنشأة و حصل علي   57   صورة من داخل اماكن و قاعات تصنف تحت قائمة "السري للغاية".

شد الجغرافي و الفني السابق بالبرنامج النووي الأسرائيلي  الرحال في رحلة استجمام  طويلة عبر الشرق الأقصي الي ان استقر بة الحال في استراليا ليعمل سائقا للتاكسي و يتحول الي المسيحية.في تلك الأثناء قابل صحفيا كولومبيا يدعي "اوسكار جيريرو" اقنعة ببيع قصتة و الصور التي التقطها  الي  ايا من الجرائد العالمية.و في غضون ايام من اتصالهما بجريدة "صنداي تايمز " البريطانية ,تقابلا مع  الصحفي "بيتر هونام" في سيدني ليطيروا جميعا الي لندن في سبتمبر 1986 حيث فتح فانونو خزانة اسرارة التي احتوت علي صور لمفاعل ديمونة.تأكدت الجريدة من صحة القصة بعدما اخضعتة الي الكثير من  التحقيقات و الأستجوابات مع العديد من خبراء الطاقة النووية الغربيين الذي قدرا امتلاك اسرائيل الي حوالي 150 رأسا نوويا وفقا للمعلومات المستقاة.

قرر فانونو,غضبا من تأخر  الصحيفة في الوفاء بألتزاماتها نحوة ان يتوجة الي جريدة  منافسة  ("صنداي ميرور") و هو ما ادي لأفتضاح امرة عند ال"موساد" الذي فصلت  استطيادة بدون ان يؤثر ذلك علي العلاقة المتميزة التي تجمعة مع المخابرات الأنجليزية  و بدون احراج للسيدة الحديدية "مارجرت تاتشر". لذا كان القرار بنصب فخ  لة خارج حدود المملكة المتحدة.و بالفعل تم نصب فخ كلاسيكي لفانونو الذي اكدت التقارير علي تعمق شعورة بالوحدة و أفتقادة للتواجد الأنثوي في حياتة.و بالفعل استطاعت عميلة للموساد ان تتقرب منة تحت اسم مستعار و تقنعة بمغادرة بريطانيا  الي روما لقضاء اجازة,و هناك تم تخديرة و نقلة ,في عملية معقدة و دقيقة, الي السفينة "نوجا" لتي تتبع البحرية الأسرائلية و التي كانت رست بالفعل علي السواحل الأيطالية قبل الحادثة بأيام.في نفس اسبوع رسو السفينة في يافا ,نشرت "صنداي تايمز" التقريرالمبني علي المعلومات التي جمعتها مسبقا من فانونو.

خضع موردخاي الي محاكمة سرية و سريعة بتل ابيب لم يكن مسموحا لة خلالها التواصل مع محاميية.لكنة استطاع اعلام  الصحافة بتفاصيل "اختطافة" كما اسماة بكتابة التفاصيل علي راحة يدة و فردها امام نافذة سيارة الترحيلات.في فبراير 1988 حكم علي فانونو بالسجن لمدة ثمانية عشر عاما بدئا من يوم "توقيفة".رفضت المحكمة طلبا بعرض نص التحقيقات.و كان علي  صحيفة "يدعوت احرنوت" ان تنتظر احد عشر عاما للحصول علي جزء من النصوص و.ووفقا لرويترز,فأن رئيس الموساد السابق "شاباتي شافيت" قد صرح بأنة كان هناك اقتراحا بتنفيذ عقوبة الأعدام بحق فانونو(و هي العقوبة نادرة التنفيذ في اسرائيل) لكن الطلب قوبل بالرفض لصعوبة ان يقتل يهوديا يهوديا اخر.

قضي السجين اكثر من ثلثي فترة حبسة في زنزانة انفرادية خوفا من ان يسرب اسرارا اخري عن البرنامج النووي الأسرائيلي.خلال تلك السنوات,حاول فانونو الأعتراض رمزيا علي المعاملة التي وصفها لاحقا بال"القاسية و الوحشية" برفضة للعلاج او التحدث الي الحراس و الأكتفاء بقراءة الجرائد التي لا تكتب بالعبرية و اخيرا بتقديم طلب بأسقاط الجنسية الأسرائلية عنة.في تلك الأثناء وصفة محامية , الناشط الحقوقي , "افيجدور فليدمان" بأنة السجين الأكثر عنادا و ثباتا علي مبدأة الذي قابلة في حياتة المهنية.

استمر  فانونو في معارضتة لسياسة اسرائيل النووية بعد اطلاق سراحة  و حاول الخروج من اسرائيل و طلب اللجوء السياسي لكن من ناحية قوبل طلبة بالرفض من حكومات  النرويج و السويد و ايرلندا.

و رغم خروجة من محبسة منذ سنوات طوال ,لم يحص فانونو بعد علي كامل حريتة.اذ يعاني من الكثير من القيود التي خرقها مرارا و اعادتة الي السجن لفترات قصيرة.ابرز هذة القيود اللاانسانية  منعة من الأتصال بأي اشخاص يحملون جنسيات اجنبية و عدم استخدام الهواتف و أنترنت و عدم زيارة اي مرفأ او مطار و عدم الأقتراب من اي منظمة دولية بمسافة تقل عن 500 متر و عدم الخروج من دولة اسرائيل.ووفقا لمنظمة العفو الدولية,فأن اسرائيل مارست ضغوطا علي شركة مايكروسوفت لمراقبة بريدة الالكتروني و معرفة ان كان يخطط للهرب.كانت اخر مرة يتعرض فيها فانونو للعقاب بسبب خرقة لتلك القيود قبيل الربيع العربي.حيث قضي ثلاثة اشهر من الخدمة الالزامية اختار ان يقضيها في المنطقة تسكنها الاغبية العربية  من القدس خوفا من انتقام السكان اليهود منة.

يعيش موردخاي حاليا بكنيسة سان جورج بالقدس,حيث ييتطوع بتدريس البيانو.خضغت غرفتة الصغيرة للتفتيش و مصادرة محتوياتها عدة مرات من قبل البوليس.

و الجدير بالذاكر,انة برغم كل تلك العقوبات القاسية,لا زال الخبراء مختلفين حول اهمية المعلومات التي قدمها فانونو.و ذهب بعضهم الي القول بأن اسرائيل قد عاقبتة بقسوة  حتي لا يتجرأ اي شخص اخر و يقوم بتصرف مماثل وهو ما يتعارض مع الرواية الرسمية الاسرائيلية التي تقول انها تخشي ان يفصح المزيد من الاسرار النووية للدولة




فلان علي الأسفلت": مصطلح متداول في أوساط المساجين في جمهورية مصر العربية يقال عندما يخرج احدهم خارج الأسواء عندما تنتهي مدتة او عن طريق عفو قضائي.انتقل الي اوساط الناشطين المصريين بعد الثورة للتعبير عن خروج احدهم من محبسة العسكري.

Thursday, May 3, 2012

من الحكم في قضية المسرة حتي توقيف الجيزاوي,ساعدونا يا رفاقة


كتبت هذة التدوينة ضمن فعاليات يوم التدوين للتضامن مع النشطاء المحكوم عليهم فيما عرف بقضية التضامن مع الأقباط


في الأجواء الكابوسية للأيام الأولي من العام 2011, و بعد ايام من تفجيرات كنيسة القديسين,انضم  العديد من النشطاء الي تظاهرة كبيرة امام احدي الكنائس  في حي شبرا الذي تسكنة اغلبية من الأقباط  للتنديد بالحادثة. كعادة نظام مبارك ,اصطف بضعة الاف من جنود الامن المركزي لتطويق التظاهرة  و منعها من التحرك.بعد عدة ساعات من المناوشات قرر لوائات حبيب العادلي استخدام العنف الجسدي ضد المتظاهرين.كانت نتيجة ذلك الأشتباك هي القبض علي ثمانية من النشطاء و اقتيادهم الي قسم الشرطة  بنائا علي خانة الديانة في بطاقة هويتهم  من بينهم صديقي المهندس و الصحفي و الناشط اليساري "مصطفي محيي".بعد ليلة قاسية  من المعاملة اللا ادمية في مقر احتجازهم,تم توجية العديد من التهم الكارتونية اليهم.كان منها حرق و تدمير  اكثر من عشر شاحنات و اتلاف الممتلكات العامة(اعمدة الأنارة و الأرصفة) و اصابة اكثر من 20 مجندا و 4 ظباط.

رغم تناقض الأدلة و ضعف حجتها,افرجت المحكمة عن مصطفي و بقية زملائة  بضمان محل اقامتهم بدلا من اعطائهم البراءة.و منذ ذلك الحين ,و رغم قيام الثورة ,ما تزال القضية محل نظر .
بالتأكيد لم يكن تلفيق الأتهامات حدثا فرديا في عهد مبارك و رجالة.لذا تقبل الجميع ما حدث علي سبيل ان قواعد اللعبة معروفة و ان من نزلوا للتظاهر يومها كانوا يعلمون عواقب فعلتهم.لكن المفاجأة حدث منذ حوالي شهر و نصف,عندما قررت المحكمة التي يترأسها ظابط شرطة سابق  حبس كل من المتهمين  الثمانية لمدة سنتين.تظلم محاميي المتهمين و حددت المحكمة يوم الثالث عشر من مايو المقبل موعدا   للنظر في الأستئناف.

بعد اسابيع من الحكم علي مصطفي و بقية النشطاء,تم توقيف الشاب المصري احمد الجيزاوي في مطار الملك بالرياض اثناء توجهة لاداء فريضة العمرة.وفقا للسلطات السعودية,كان احمد ينتوي تهريب عشرون الفا من الأقراص المخدرة الي المملكة.كان من الممكن تصديق الرواية الرسمية لولا خبراتنا السابقة مع الحكومة السعودية و مع  تواتر الأخبار حول نشاط أحمد ,الي يعمل محاميا , في قضايا المصريين المحتجزين بالسعودية ,بل و تناثر بعض الأخبار عن رفعة لقضية ضد العاهل السعودي شخصيا. بعد الحكم  علي احمد بالسجن لسنة و التعذيب بالجلد 20 جلدة,انطلقت مظاهرات عدة نحو مقر السفارة السعودية قام خلالها البعض بالتعبير عن غضبهم,المتراكم اصلا  منذ سنوات سابقة ,بالقاء الحجارة علي مبني السفارة و تنكيس علمها.و علي الفور,ردت الحكومة  السعودية بالعديد  من ردود الأفعال الغاضبة  و المبالغ فيها.فأوقفت العمل بالسفارة و استدعت  السفير الي بلادة و وأوقفت اعطاء تصريحات العمل للمصريين.

و ما يهمنا في هذة الحادثة هو التركيز علي طبيعة العلاقة  استراتيجية و تعقد المصالح المالية  بين الطبقتان  الحاكمتين في مصر و السعودية و التي  اجبرت المسئوليين المصريين علي تقديم العديد من التنازلات و الأعتذار مرارا وتكرارا.بدئا من رئيس الحكومة الذي اكد سابقا في مناسبات عديدة  ان مصر لم و لن تركع للأملائات الأجنبية,الي السفير المصري بالرياض الذي اكد علي عمق العلاقات بين البلدين و عدم تأثرها حتي لو تم حبس 1000 مصري علي شاكلة الجيزاوي مهرب المخدرات و مرورا بمحادثات و مناشدات المشير طنطاوي للخارجية  السعودية بتجاوز الأزمة و اخيرا زيارة رئيس مجلس الشعب للرياض للقاء الملك عبد الله .

كان مفهوما  في عصر مبارك ان يحاكم ناشط سياسي و تلفق لة التهم ,لكن ان يحاكم نفس الشخص  بنفس التهم الموجهة الية في قضية سياسية حدثت في عهد مبارك  هو حدث فارق مثلة مثل مشهد تفضيل المصالح المالية للمسئولين الحكومين علي حرية و حقوق المواطنين المصريين في الخارج. مشهدان رمزيان يؤكدا علي ان سقوط النظام وهم عشناة جميعا خلال سنة و نصف.

ما بين حادثتي  المسرة  و الجيزاوي عذب و قتل و شرد و و اضطهد و اصيب  عشرات الالاف  من المصريين علي يد نظام مبارك و لاحقا علي يد من حكم البلاد بعدة.اضحي جليا ان شيئا لم يتغير. و رغم تولد  وهم اسمة سقوط  النظام لدي الجميع في لحظة التنحي .لكن في الحقيقة فان شبكة شيطانية و  معقدة  من الفساد  ما تزال تواجة بشراسة اي محاولة حقيقة لتفكيك مؤسسات الحكم المصرية.قبل الثورة كان نفر قليل من الشرفاء يجاهدون ضد تلك  الالة جهنمية متعددة الأذرع,شرطة و جيش و قضاء و اعلام و  حزب.و اليوم  ما تزال اذرع  تلك الألة تعمل رغم قطع رأسها و لم يتغير شيء سوي ان عدد المقاومين لها  قد تضاعف.و بينما اكتب هذة التدوينة يرن في اذني مقطع "ساعدوني يا رفاقة" من الأغنية الشعبية الشهيرة. عزيزي المواطن الشريف ,ان لم تكن راغبا او قادرا في مقاومة الظلم,لا بأس,لا تحمل حجرا و تهاجم الشيطان,فقط عليك الا تعاونة علي اطفاء النور الخافت الباقي لنا.

Saturday, February 25, 2012

عن الشيخ و الموظف و الميزانية و المديونية

تخيل معي موظفا حكوميا في الأربعين من عمرة.تخيلة كهلا بكرش لا يتناسب مع قوامة الناحل,يحك في ملل صلعتة اللامعة بالعرق و يرتدي قميصا أبيض مسطرا بالطول و علي معصمية خرقتي قماش أسود يرتديهما حتي لا تتسخ أكمام قميصة.دقق بعين الخيال علي المنضدة التي أمامة في ذلك الدفر الأحمر المسطر ضخم الحجم ,علي الغلاف ستقرأ عبارة "الميزانية العامة المصرية للعام 2012" مكتوبة بخط الرقعة.

تخيل معي صفا من الرجال جميعهم في منتصف العمر .يمسك كل منهم بمظروف ورقي,يناول صاحب الدور المظروف الي صاحبنا فيفضة,يعد ما فية من نقود, ثم يضعها بحرص في خزانة حديدية قابعة وراءة بعد ان يكتب اسم الشخص في خانة "دائن" و قيمة المبلغ في خانة "القيمة" و اخيرا يناول صاحبنا ايصالا بذلك.الرجل بدورة يعود بهدوء الي طابور أخر يتشكل من كل من سلموا النقود الي الموظف سابق الذكر.

و بعد أستراحة تخللتها صلاة العصر ووجبة قوامها الأساسي من الفول و كوب من الشاي الثقيل,يعود الموظف الي عملة مرهقا و متوجسا لأن الجزء الأصعب من العملية لم يأت بعد. يتسلم المسكين طلبا من كل ممن ورد قرشا في الصباح,بالأضافة الي أخرين لم يشاركوا في عملية التوريد.يناقش كل طالب فيما يطلبة من مال فيدافع الثاني عن مقصدة و يسهب في شرح اهمية حصولة علي كل المبلغ و في كيفية انفاقة علي احسن حال لتحقيق الرفاهية لكل من وقف في الطابور الطويل البطيء في ذلك اليوم الحار.عندئذ قد يقرر الموظف منحة المبلغ المطلوب او جزء منة فيخرجة من الخزينة و يقيدة في خانة "مدين" و يسلمة بعد ان يمضي الطالب ايصالا بالأستلام.

ما حكيناة أعلاة هو تبسيط مخل لما تقوم بة وزارة المالية في الثلاثين من يونيو من كل عام لرسم الميزانية العامة للدولة. لكننا في خضم القصة نسينا ان مدير الموظف المسكين كثيرا ما يطالبة بأخراج مبالغ طائلة من الخزانة تحت بنود لا يري لها فائدة.تارة تحت بند أجور خبراء و مستشارين للمدير و تارة تحت بند مصروفات سرية و تارة تحت بند الحفاظ علي حراسة و امان الخزانة و تارات اخري لأسباب قد يراها هذا الموظف ثانوية او يمكن ترشيد الأنفاق فيها.

أعلم اني قد صدعت رأسك بقصصي,لكن كن كريما و تحملني حتي نهاية قصتي التي اعدك بألا تتاخر: تخيل معي ان شيخا عظيم اللحية وقف في قلب القاعة و بصوت جهوري طالب الواقفين في الطابور ان يفتحوا أظرفهم المغلقة و يخرج جميعهم مبلغ متساوي قليل القيمة و ان يضعوة في عبائتة التي فردها.تخيل معي ان الرجل كان شريف الغرض و كان كل همة الا يلوي ذراعهم جارهم الثري الذي يمنحهم كل عام مبلغا غير هين من المال علي سبيل العطية و يتحكم مقابل ذلك في مقدرات أمورهم. تخيل ان الناس امنت علي قولة و جمعت المبلغ المطلوب و طردت مندوب جارهم من القاعة.تخيل الجمع و هو يتراجع و يفسح المجال للشيخ الجليل ليعطي ذلك المبلغ الي الموظف سابق الذكر وسط التهليل و التكبير.

تخيل معي الأن موظفنا المسكين و هو يحسب اجمالي المبلغ الوارد الية ثم تخيلة معي و هو يتمم لان المبلغ الموجود في الخزينة مازالا ناقصا و ان ما جمعة الشيخ من الناس لم يزيد مجموع الدخل و لم يساهم في سد العجز لأنة قد تم جمعة مما كان بالفعل في الأظرف,اي انة كان سيدخل بالضرورة في الخزانة.تخيلة اخيرا و هو يحاول ان يشرح ,في يأس, ان المبادرة الكريمة من الشيخ لم تفيدهم في شيء و ان الخزانة اصبحت تعاني من عجزا ماليا عليهم تعويضة بحل واحد أو أكثر من ثلاثة حلول:أقناع المدير بترشيد الأنفاق فيما لا يفيد او زيادة المبلغ الوارد في كل ظرف من المصدر او التودد الي جارهم الذي تم طرد مندوبة سابقا؟

تخيل معي ان الشيخ تناسي عن قصد و حسن نية او ربما تجاهل خشية من الصدام التصرفات العلنية و المثيرة للريبة للمدير و تبديدة للعهدة بلا طائل.و بدلا من تنبية الناس لما يحدث و نصحة للمدير بالتوقف عن انفاق المال فيما يثير الريبة او حتي نصحة للناس بترشيد انفاقهم قام بجمع قيمة العجز من رقيقي الحال و محدودي الموارد ليعطية الي موظف خزانة يعمل تحت امرة مدير تحوم حولة الشبهات.... الا يستحق منا الشيخ,في احسن الاحوال, النصح و الأرشاد؟

Saturday, December 31, 2011

عن صمويل



كتبت هذة التدوينة في السابع من يناير 2011,بعد أيام من تفجير كنيسة القديسين.اليوم أنشرها في الذكري السنوية الأولي للمذبحة التي راح ضحيتها 25 مصريا.

صمويل جرجس زميل دراسة قديم ,.فرضت علينا طبيعة تخصصنا الدراسي(هندسة البرمجيات) قضاء ساعات طويلة سويا في استذكار الدروس الصعبة و اعداد التدريبات (المشاريع) العملية. في أجواء كلية الهندسة القاتمة و مع ندرة عدد الطلاب في تخصصنا(تخرجنا نحو 60 طالبا) تتطور علاقات الزمالة اليا  الي صداقة تتوطد مع مرور السنوات بسبب الألفة حينا و بسبب الأنعزال عن العالم الخارجي احيانا.

كان صمويل مقربا الي دائرة  اصدقائي الأقرب ,مما فرض علينا قضاء ما لا يقل عن الثمان ساعات يوميا لمدة خمس سنوات تكونت خلالها العديد من الذكريات الطيب في مجملها و ان لم تخل من بعض اللحظات العصيبة. في حقيقة الامر لم نكن يوما اصدقاء مقربين بالمعني الحقيقي للكلمة,فطالما وقف اختلاف مزاجنا عائقا امام تقاربنا.خلال تلك السنوات قام كلانا ببعض الأشياء التي لم ترق للأخر في وقتها ,لكن ظللنا قادرين علي الأحتفاظ بوشاج الصداقة من باب الأيمان بعظمة اللون الرمادي بعيدا عن سذاجة اوهام الحدود الفاصلة بين الأبيض و الأسود و بين الشياطين و الملائكة.

لا أتذكر الأن متي كانت اخر مقابلتنا,بالتأكيد في حدود العام 2004,قبيل أنتقالي للعمل بالقاهرة,منذ ذلك الحين تبادلنا مكالمات هاتفية و مكاتبات الكترونية في المناسبات المختلفة علي سبيل المجاملة . بالطبع لا تجمعنا اليوم الكثير من الأهتمامات المشتركة  بعد ان جرفتنا مشغوليات الحياة . قنع صمويل استسهالا او زهدا بعمل و حياة زوجية مستقرة في المدينة الساحلية الصغيرة نسبيا بينما اثرت انا ,المقامر بالسليقة,مطاردة احلام الترقي الوظيفي في الشركات المتعددة الجنسيات و ادمان الخبرات العقلية واللذات الحسية التي يراها عموم المصريين حرثا في أرض بور و مضيعة للوقت و الجهد.

في يونيو الماضي قررت دولة كندا تعديل نظام هجرة العمالة المؤهلة في خطوة سبقتها اليها استراليا و نيوزلندا و غيرهم من الدول التي يظنها عموم التقنوقراط و المثقفين من ابناء المشرق بابا مفتوحا لن يكلفهم اكثر من طبع بعض الوريقات و ارسالها بريديا الي مقار سفارات تلك الدول عندما تضيق بهم السبل.لكن منذ بدأت الأزمة الأقتصادية العالمية ,و في غضون ستة اشهر وجدت نفسي شخصا غير مرغوب فية في أغلب تلك الدول  بعد ان كنت مقبولا في اغلب برامج الهجرة لتخصصي المهني النادر نسبيا. كان ادراكي لتلك الحقيقة هو لحظة تنوير و ادراك ان الوقت قد حان للقيام بمجموعة من الزيارات الي مختلف المصالح الحكومية لأعداد الملف الذي تلكأت سنوات في ملأة قبل تفوت الفرصة و يغلق الباب الموارب.

كان تلكئي طول السنوات الخمس التي مضت نابعا من راتبي الضخم مقارنة بمتوسط رواتب اصدقاء الطفولة ممن لم يعملوا في نفس تخصصي,و من الأرتباط العاطفي بالعائلة و الظن بأمكانية بناء المرأ سور حول عالمة يكفل لة الحد الأدني من الخصوصية يمكنة من ممارسة حياة طبيعية بعيدا عن كل ما يحدث علي أرض مصر من حمق سياسي و أمراض اجتماعية و نفسية. لكن في السنتين الماضيتين اصبح الحفاظ علي تلك المساحة يزداد صعوبة كل يوم و تيقنت  ان من الأصوب الرحيل الي مجتمعات تحترم الأنسان و حقوقة الفردية قبل السياسية .

يوم الجمعة الماضي اصطحب صمويل,الذي ما زلت ادعوة ب "صديقي", برغم كل اختلافنا,زوجتة و ابنتة التي تبلغ الأربع سنوات,و التي لم ارهما في حياتي الي كنيسة القديسين لحضور قداس العام الجديد و .من سوء طالعة اختار الخروج مبكرا بضع دقائق ليدخن سيجارة او ربما  ليرد علي اتصال هاتفي.حدث ذلك في نفس الوقت الذي قرر فية احدهم اللحاق بأول قطار مباشر الي الجنة بالضغط علي زر المفجر لقنبلتة المحلية الصنع,كان هذا المسافر علي طريق الجنة السريع مخلصا لرحلتة ووغدا بما يكفي لملأء القنبلة بالقطع الحديدية و المسامير لضمان احداث اكبر كم من الأصابات بين المصلين.

اليوم يرقد صمويل في المستشفي الحكومي الذي تحول لثكنة عسكرية ,القليل الذي استطعنا معرفتة عن حالتة زادنا قلقا.فوفقا للأخبار التي استطاع الأصدقاء استخلاصها من اهلة الغير متحمسين للحديث الي مسلمين ,حتي لو كانوا أصدقائة القدامي, فأن جسدة مغطي بحروق من الدرجة الثانية و الثالثة. بالأضافة الي الشعور بالمرارة لأحتمالية فقد صديق قديم و الي الحزن علي عشرون عائلة فقدت احد افرادها,يغمرني شعور مرير بأن جزئا من تاريخي الشخصي تم نسفة.في صباح يوم السبت هاتفت اقرب اصدقائي ,و هو مسلم يسكن منذ طفولتة علي بعد خمس دقائق من الكنيسة محل الأنفجار, قال لي انة يشعر للمرة الأولي بعدم الأمان اثناء عبورة لتلك الشوارع التي احتضنت صعلكتة لثلاثة عقود,و ذلك يرجع,وفقا لة,لرجال الدين الذين ملؤا ادمغة المسلمين بنسخة بدائية تخطاها التاريخ من الأسلام,نسخة تشعر المؤمنين علي االدوام بالتقصير و الذنب و توقعهم في صراع لا ينتهي بين معيشتهم اليومية و بين الأفكار التي لا يقدروا علي تطبيقها.

لكن صديقي, الذي اوافقة فيما قال,نسي في نوبة الغضبة ان المجتمع  يتغير بلا رجعة و ان  مثل هذا الحادث اصبح امرا روتينيا يتكرر مرة او اكثر كل عام .نسي صديقي ثقافة كرة الأخر التي تملأ المجتمع المصري منذ الأزل, كما نسي صديقي المهانة و الهزائم لأقتصادية و السياسة و الأجتماعية و الشخصية التي يتعرض لها المصريون في الشارع و العمل و البيت.هزائم جعلت غضبة و احباطة و كرهة للأخر موجها نحو اي فرد او طرف مختلف عنة ,بشرط ان يكون هذا الطرف في وضعية اضعف منة. بالتأكيد لم تكن التصرفات ستتغير لو كان ميزان القوة مقلوبا و كانت اغلبية المصريين من المسيحيين و الدليل هو ما يمارسة سنة المسلمون ضد الأقلية الشيعية و ما يمارسة المسيحيين و المسلمين متحدان ضد الأقلية البهائية و اصرارهم جميعا علي ابقاء خانة الديانة في البطاقة مع منع كتابة الأديان الغير ابراهيمية و كأنة من المستحيل ان يختار مصري اي دين او فلسفة اخري

منذ عدة سنوات ,قبل ان اتخلص من جهاز التلفاز الخاص بي,شاهدت أحمد فؤاد نجم,الشارع المعارض الأشهر, ينظر في أحد الفضائيات العربية و يؤكد للمشاهدين انة متفائل لأنة لا يوجد اسوأ من الموقف وقتها. اتذكر كيف سخر زميل السكن مما سماة بالتفاؤل الساذج.منذ وقوع حادث الجمعة الماضي ,الذي لا يعد حالة فردية بأي حال(حادث نجع حمادي و أحداث الكشح و غيرها تؤكد ذلك) اخذ الجميع في تكرار ما يطلق علية بالعامية "الأسطوانات المشروخة". في محل عملي,علي المقهي او علي موقع الفيس بوك اخذ كل من اعرفة من المسلمين ترديد كلام مستهلك عن صدمتة مما حدث و التاكيد علي ان الهلال عاش و يعيش و سيعيش دوما متحدا مع الصليب و كأن من يمارس التمييز ضد الأقباط بشكل يومي شعب اخر غير الذي اتعامل معة منذ ثلاثين عاما.في نفس الوقت شرع ال"معتدلين" من المفكرين الأسلاميين كمحمد العوا في ترديد نفس الكلام مع التأكيد علي ضلوع اسرائيل او اطراف خارجية اخري غير مسلمة في الحدث و ذلك حتي قبل صدور اي تقرير رسمي من وزارة الداخلية.اما المثقفين او المستثقفين فقد باشروا في ممارسة وقفاتهم الأحتجاجية و الأستنكارية بالتواز مع تشنج المسيحيين و زيادة تقوقعهم في رحم مؤسسسة الكنيسة بعد ان خذلتهم مؤسسات الدولة و المجتمع مرارا. الأختلاف الوحيد في هذة المرة هو تصاعد اصوات مسيحية مستقلة تلقي بجزء من الللوم علي البابا شنودة.بالطبع لن احتاج للأشارة الي الحكومة و ادائها الرسمي المذري ,سواء في قمعها لكل مظاهر التنفيس والاعتراض (سواء كان ذلك من قبل المسيحيين او نشطاء المعارضة) او في تاكيدتها التي صارت لا تقنع احدا بأن كل شيء علي ما يرام.

المحزن و المخيف في الوقت ذاتة هوانة طالما اصر عموم المسلمين و مفكريهم علي حالة الأنكار هذة و ظلت جميع الأطراف الأخري تغني علي ليلاها في حوار طرشان لا ينتهي . لن يمكن ابدا استعياب و التعلم من أخطاء و صراعات تم خوضها علي هذة الأرض و غيرها خاضتها شعوب اخري كالأوروبيين في القرون الوسطي.
و بما انة لا تبدو بارقة امل علي فهم اي طرف لحقيقة المشكلة فأن الأسواء بالتأكيد لم يأت بعد.

كان تفجير الجمعة الماضي,و الذي لا أستطيع وصفة بالحادث, علامة اخري علي صحة القرار الذي اتخذتة منذ شهور بعد صراع داخلي استمر لأكثر من سنتين.صراع حسمة الكفر بالمصريين حكومة و شعبا و معارضة و مجتمعا ,اليأس من تفهم المصريين ,مسيحيين و مسلمين لثقافة قبول الأخر و افكار المواطنة,التيقن من ان الحكومة و المسئولين لن يعملوا للصالح العام و ادراك ان الحائط الذي بنيتة حول نفسي هو في الحقيقة فقاعة شفافة هشة يمكن اختراقها في اي وقت.

و انا اكتب هذة السطور افكر انة حتي لو نجحت محاولاتي الحالية في الهجرة الي الشمال الأقصي بعيدا عن مستنقع الجنون المسمي بالشرق الأوسط,فستطاردني الأخبار المحزنة عن صديق قديم اخر سقط صريع الفتنة الطائفية,او حادث سيارة عبثي او أحد الأمراض المزمنة التي احتكرت أجساد المصريين. ربما لن اكون مشاركا في هذا الهذيان الذي لم نعد نكف عن أنتاجة اربع و عشرون ساعة يوميا,لكن عبأ التاريخ سيظل علي اكتافي كمواطن تربي في هذة المنطقة التي يختبيء فصل من الصراع الأنساني تحت كل حجر في شوارعها.

بعد ايام من كتابة تلك التدوينة نقل صمويل الي لندن ثم توفي بأحدي مستشفياتها

Thursday, December 15, 2011

عن القطار المندفع نحو الهاوية

لم يفكر المصريين كثيرا قبل نزولهم للتظاهر في الخامس و العشرين من يناير الماضي.في ظهر هذا الثلثاء اندفع عشرات الألاف من شباب الطبقة الوسطي الي الشوارع يسوقهم خليط من الشعور بالمرارة لصعوبة العيش و الغيرة الوطنية بعدما استطاع جيرانهم التونسيين طرد دكتاتورهم قبل ذلك بأسبوعين.

في ذلك اليوم ,لم تتعد اكثر أحلام المتظاهرين(,شبابا و مثقفين و عوام ) جموحا ابعد من طرد الرئيس الذين تفننت أجهزة قمعة البوليسية في أذلال كرامتهم و نجحت حاشيتة في تضيق العيش عليهم بخليط من و الفساد المالي و الجهل الأقتصادي
.لكن في حقيقة الأمر,فأن الثورة ,بجانب أسقاطها جزئيا لنظام فاسد و قمعي, شكلت املا في تخفيف وقع مصائب بيئية صار من المستحيل علي مصر تلافيها.
فبجانب القمع و التنكيل و الفساد السياسي و المالي,كان نظاما الرئيس السابق فاشلا بأمتياز في استيعاب حجم المصيبة التي تندفع اليها البلاد.فقد تحلي هو و من حولة بقدر من تصلب الشرايين و الجمود و انعدام الأبداع و القدرة علي القياس و التحليل المنطقي,بل زاد فوق ذلك اخفاقة في التعامل مع كل النظم التي ترتبط مصالح مصر البيئية و الأقتصادية و الزراعية بها.

منذ تنحي مبارك ,انشغل الجميع بحالة استقطاب علماني\أسلامي حينا و بأستحقاقات حقوقية وقانونية و نضالية اجبر الثوار علي خوضها احيانا و انجروا لها احيانا أخري
و بما انة اصبح من الجلي الأن ان المجلس العسكري لا يزال يمثل رأس حربة الدفاع عن النظام السابق و شبكة مصالحة المعقدة التي لم تسقط كليا بتنحي الرئيس,و ان هناك تحالفات جديدة في طور الأنعقاد فأن المعركة غالبا ما ستستمر لسنين عديدة قادمة مستنفزة طاقة الأفراد الأكثر ادراكا بحقيقة التحديات البيئية التي ستتعرض لها مصر خلال العقدين القادمين.

فأذا سلمنا عقولنا للحقائق العلمية قليلا ,فان معلومة واحدة من نوعية أن "مصر هي المستورد الأول عالميا للقمح" كافية لأستيعاب ما نحن مقبلون علية.فا بالاضافة الي نمط عذاء المصريين الذي اصبح يعتمد علي محاصيل لم يعد اجمالي انتاجها المحلي كاف لتغطية الطلب المتزايد,تشكل تسرب ملوحة البحر المتوسط الي الدلتا و الساحل خطرا مدمرا علي ناتج محصول أراضي زراعية عرفت سابقا بأنها الأكثر خصوبا في البلاد.

و علي الصعيد الثورة المائية,فأن المخابرات ,بقيادة عمر اللواء عمر سليمان فشلت تماما في التعامل مع ملف مياة النيل منذ استلمتة اوائل العقد الماضي.و بسبب صلف الرجل القوي في الجهاز انهارت علاقات مصر بدول المنبع و خاصة بأثيوبيا التي استطاعت القيام بعدة تحالفات مع قوة اقليمية و عالمية لضمان عدم تجدد التهديدات المصرية بأستخدام القوة العسكرية في حالة تهدد حصة مصر من مياة النيل كما فعل مبارك في احد خطبة العلنية في منتصف التعسينات.
و لعل من المؤسف ان اغلب الخبراء و المثقفين المصريين لا يعرفوا شيئا عن الوضع الديموغرافي للدول التي تمثل اهمية استراتيجية لمصر كأثيوبيا.فأثيوبيا اليوم في وضع شبية لوضع مصر في الستينات,كتلة سكانية شابة تنمو بمعدلات سريعة (يبلغ تعداد أثيوبيا حوالي 85 مليون نسمة اكتر من ثلثيهم من الشباب دون الثلاثين) و ترنو الي نهضة عمرانية و اقتصادية و زراعية.و في نفس الوقت تعاني من اتفاقات جائرة فرضت عليها سابقا.بل و لا تلتزم الأطراف الاخري بتلك الأتفاقات الجائرة فتعتدي علي نصيب الطرف الأضعف.و اذا تغاضينا عن المعضلة الأخلاقية في سرقة ما هو ليس من حقنا, فأن كل المؤشرات المنطقية تشير الي ان الوضع لن يبقي علي ما هو علية طويلا,و ان تلك الدول ستطالب ثم تحصل علي حقوقها عاجلا او اجلا و عندها لا تبدو المجاعة المائية سيناريو خيالي كما هو الوضع اليوم.

اما علي مستوي مصادر الطاقة,فأن النظام السابق اصر علي ذبح الدجاجة التي تبيض لة ذهب.فتعاقد مع اسرائيل علي ربط نفسة بأرتباطات طويلة الأجل و بيع كميات كبيرة من الغاز الطبيعي بأسعار اقل من الأسعار العالمية بلا اي سبب منطقي سوي منطق المكسب الفردي الأني بلا اي تفكيرفي تداعيات هذا علي الناس و علي النظام ذات نفسة علي المدي الطويل.

و اذا تحولنا الي مسألة لتلوث ,فلا يحتاج الكاتب الي الكثير من الجهد لأقناع القراء بالوضع المذري لمدينة مثل القاهرة تحوي ربع سكان مصر.و كم تبدو الصورة للنظار شديدة القتامة:فمن حرق قش الأرز الي مليون سيارة عتيقة الطراز تزرع شوارع العاصمة و من مئات المصانع لا تلتزم بأي قانون للحفاظ علي البيئة الي مصانع أسمنت اوروبية تفتح فروعا لها في مصر بعد أغلاقها في بلادها نتيجة لتهديدها للبيئة هناك ,و قبل ذلك و بعدة, بسبب ممارسات يومية لها علاقة بالنظافة الشخصية و نظافة الشوارع.استحقت مصر التربع في المركز السادس عالميا في قائمة الأمم المتحدة لأكثر الدول تلوثا في العالم.

اما ملف الزيادة السكانية فهو الأكثر تعقيدا.كان الأنفجار السكاني أحد المواضيع المحببة الي الرئيس المخلوع في خطبة.و لعلنا لا زلنا نذكر صرختة الشهيرة في احدي خطبة "اجيبلكم منين" . و في حقيقة الأمر,كان النظام السابق فاشلا في ادارة مواردة علي هذا الصعيد,فتخصصت حكومة الجنزوري في بناء المدن الجديدة التي لا تخلو من الخدمات و لا تربطها بجيرانها شبكات نقل,و تهاونت في تجريف الرقعة الزراعية و فشلت في اخراج السكان من ال3% من مساحة مصر التي ظللنا نعيش عليها ملايين السنين. و لذلك فأن الزيادة المطردة,و خاصة في الشرائح الأكثر فقرا و الأقل تعليما من السكان هي بمثابة تركة ثقيلة علي عاتق اي حكومة ستحاول حل المشاكل السابق ذكرها.

بعد كل ما تم حصرة سابقا,يبدو المستقبل البيئي لمصر قاتما و اننا قد تأخرنا بالفعل عشرون عاما علي الأقل و صار تجنب وقوع المشاكل مستحيلا. كل ما نقدر علية الأن هو تقليل وقع أخطاء متراكمة منذ ستين عاما يتقاسم مسئوليتها كل الأنظمة السابقة و الشعب.اما ان لم يستشعر الجميع حجم المشكلة فأن البديل سيكون سيناريوهات كابوسية من نوعية حروب المياة و المجاعات.

Tuesday, July 5, 2011

كتبت هذة التدوين في وقت ما من شتاء 2006

مشهد 1
اهرب بكتبي و موسيقاي المفضلة من ماكينة المدنية التي تهرس روحي و اعصابي 24 ساعة يوميا الي الصحراء.
في الطريق اكتشف ان سبب عطل شبكتي المحمول في الايام الماضية هو الانسة زيزي التي صوت لها الاف المصرين اصحاب الحس الوطني في مسابقة ستار ميكر , يشغل سائق الاوتوبيس فيلما احبة فأتفائل بالرحلة.
مشهد 2:
ينهمك السائحان الكوريان في تصوير الرقص البدوي,لا اعرف كيف سيكون شعوري لو كنت اعيش حياتي في بؤرة الضوء مثل هؤلاء الناس , لابد ان شعورا بالمرارة يخالجهم من الحين للاخر بسبب معاملتهم من قبل الجميع كحيوانات نادرة يتم دراستها او كشخصيات فولكولورية. لكن قف وراء المدفع بدلا من الوقوف امامة ,لم يتفهم اغلب السواح انهم بألوانهم العجيبة و انبهارهم الساذج بالبيئة الصحراوية قد اضحوا مصدر فرجة البدو ايضا .
لم يستطيع جل افراد الفوج السياحي الذي قضي معنا ليلة السافاري ان يدرك انة علي بعد 10 دقائق فقط من العمران,لعبة دعني انخدع-دعني اخدعك الشهيرة تمارس علي اوسع نطاق هنا ,قال لي حسن انة يتعجب كيف اننا مختلفان رغم كوننا من بلد واحد,حسن الذي يتقن الانجليزية و العربية و لهجات و لغات اخري يحب بوب مارلي و يمتلك حس فكاهي رائع و سرعة بديهة بالاضافة الي فطنتة التي امتزجت بخبرة 12 عاما من العمل بالسياحة مما يجعلة قادرا علي معرفة نوع الزبون بعد خمس دقائق.عادة لا يرفض علي الطلبات التي يطلبها زبائنة مادامت لا تخل بالشرف حسب فهمة,ربما لسنا مختلفين كما تبدو الامور علي السطح؟
مشهد 3:
اتمدد في شمس الصباح علي السجادة القديمة ,يدي تداعب الرمال التي اخذت في كسب حراراتها برودة الليل, بجانبي يتبادل مهندس البرمجيات البرازيلي القبلات مع زوجتة المهندسة المعمارية ,يحتفلان هنا بالذكري السنوية الخامسة لمقابلتهما ,تقابلا اول مرة في القاهرة صدفة ثم تقابلا في السنة التالية في صدفة اخري في القدس القديمة, لم يكن امامها سوي الزواج حتي لا يخالفا المشيئة الالهية , هل لديك تسمية اخري؟؟؟؟في الخيمة يستلقي ابراهيم و عمرو و قد غلبهما النعاس بعد سهرة امس,كان عمرو طفلا صغيرا سعيدا و هو يشرح للزوج الفروق بين العربية الانجليزية في نطق الحروف ,في اذني مازال محمد منير يغني افتح قلبك.

Monday, July 4, 2011

اري بعين الخيال

بعد تخلي الرئيس السابق عن صلاحياتة تزايدت حدة الأعتراضات علي التظاهرات الأسبوعية في ميدان التحرير.كان الدفاع الأساسي لهؤلاء المعترضين هو "لو ما لقيتوش الي انتوا عاوزينة اتحقق,التحرير موجود".

اليوم ,و بعد ستة أشهر من نجاح الثورة تبدو الامور رمادية,لازلنا بلا خطة زمنية واضحة توضح خطوات و ميعاد انتقال السلطة,ما زال اغلب افراد الشرطة غائبين عن الشارع او حاضرين رمزيا ,مازالت حالات تعذيب واعتداء بدني لمواطنين في اقسام الشرطة تسجل اسبوعيا , مازالت قوات الامن المركزي تستخدم القوة المفرطة و تقتل المتظاهرين,ما زال افساد المالي و الأداري مستشريا في كل قطاعات الدولة,مازال الكثير من قتلة الشهداء طليقا و يذهب الي عملةكل صباح .الجديد في الامر,ان من كانوا يقولون سلفا ان التحرير ساحة مفتوحة للجميع في حالة تخاذل السلطة اصبحوا الأن معترضين بشكل مبدأي علي اي و كل مظاهرة بغض النظر عن سببها او مكانها.

اري بعين الخيال ,لو توقفت المظاهرات لشهرين فقط في ميدان التحرير ,كوادر الحزب الوطني السابقة بوجوهم الكالحة و بذلاتهم الكحلية و ابتساماتهم الصفراء تحتل الميدان و تؤكد انها شباب الثورة الحقيقي.اراهم و قد رفعوا لافتات تطالب بأعلان الأحكام العرفية و تجريم التظاهر العلني.اري وسائل الأعلام الرسمية و المستقلة (الا القليل منها) و قد فردت مساحات واسعة لنفاق و مداهنة المجلس العسكري,اري مرشحي الرئاسة يغازلون الجيش بشكل فج و يطالبون بأضافة مواد في الدستور تضمن تدخل الجيش في الحياة السياسية,اري الأحكام العرفية تعلن و احد العسكريين يتقدم الصفوف الي مقعد الرئاسة.اري تلك الفتاة ذات الشعر المموج التي اعتدت ان اراها تقود التظاهرات التي تندد بمحاكمة المدنيين امام القضاء العسكري و هي في الأصفاد بتهمة تكدير الامن العام.اري العديد من الأصدقاء الناشطين يتلقون اتصالات هاتفية من جهاز الامن الوطني لتخويفهم.اري الجموع تهاجم اي محاولة لنقد ما يحدث.اري شبكات الفساد تعيد تجديد شبابها و تعين سلالة جديدة من الحكام للأرتقاء الي سدة الحكم.اري كابوسا هتلريا مفزعا في الأفاق.

لا يشغل بالي ان جائت الانتخابات قبل الدستور او العكس و لا اريد مجلسا رئاسيا الأن.كل ما اريدة هو ان يحتشد الناس في ميدان التحرير اسبوعيا بأعداد كبيرة تحت شعارات بسيطة تجمع اكبر ممكن.كما لا تهمني ان تؤدي تلك التظاهرات الي قرارات.كل ما يهمني ان يبقي الضغط الشعبي قويا علي رئوس شبكة الفساد حتي لا يربحوا مساحة اخري ,و ان نضمن جميعا انتقالا سلميا مدنيا للسلطة يسمح بتفكيك شبكة الفساد و تحقق العدل علي المدي المتوسط.